الشبيبة

واقتربنا من نفحات رمضان

أحمد المرشد

أيام قليلة ويهل شهر الصوم والبركات بخيره ونفحاته، إنه شهر رمضان المبارك الذي يجمع كل معاني الإسلام الفضيلة، ولهذا الشهر المبارك في مصر نكهة أخرى، تختلف عن كل الدول العربية والإسلامية، وعلى سبيل التميز أو الاختلاف الطريقة التي يستقبل بها المصريون رمضان، وقد شاهدتها بنفسي هذا العام حيث إنها المرة الأولى التي يهل فيها الشهر وأنا خارج البحرين نظراً لظروف عملي بالقاهرة. فقد اعتدت أن أرصد مع أصدقائي بالسعودية دخول الشهر المبارك من خلال تعارفنا أيّام كنت بوزارة الإعلام وكنت مندوبها لدي لجنة ترائي الهلال بوزارة العدل والشؤون الإسلامية.. أما هذا العام فكانت لي تجربة جديدة إذ لمست بنفسي استقبال رمضان في بلد تميز عن غيره بكيفية الاحتفال بهذا الشهر. نعم، وكما قلت في مناسبات أخرى فإن لدى المصريين قدرة خاصة على إعطاء أي مناسبة حقها وأكثر، فكيف إذا كانت هذه المناسبة هي رمضان؟. ولاستقبال رمضان بالقاهرة نكهة خاصة، فهي العاصمة الجامعة والبوتقة التي انصهر بها جميع الوافدين إليها من مختلف أنحائها، فالقاهرة مركز العادات والتقاليد التي تنتشر في بقية مناطق مصر، وفيها نلحظ عادات كل منطقة وهي تستقبل رمضان. وإذا كانت عادات أهل الصعيد تختلف عن أهل الدلتا، فالقاهرة باعتبارها العاصمة تضم كل هذه العادات ومن خلالها نحكم علي الجميع. ولعل أهم ما يميز استقبال رمضان في القاهرة أو مصر هو استعدادها بالأسواق المكبرة التي توفر كل السلع الغذائية بأسعار مخفضة، فيما تنتشر بالمناطق الشعبية محال بيع الفوانيس وهي قبل أن تكون صناعة مصرية خالصة فهي عادة مصرية قديمة من أيام الفاطميين ولم تنته حتى يومنا هذا، بيد أن المصريين ابتكروا أشكالاً جديدة للفوانيس ولم تعد كلها على شكلها القديم المعتاد، الدائري والسداسي والمربع، وكانت مصنوعة من الزجاج الملون والصاج، خاصة وأن الأطفال الجدد لم يستسيغوا هذه الأشكال القديمة بعدما دخلت الصناعة الصينية المجال وطرحت فوانيس حديثة تدار بالبطارية، ولكن سرعان ما عاد السوق المصري لقديمه وينتصر للفانوس القديم.. وبجانب محال بيع الفوانيس تنشط تجارة التمر بكافة أنواعه، ثم المشروبات. المثير أن المصريين يطلقون أسماء جديدة علي الفوانيس والتمر كل عام، فنجم رمضان الذي على الأبواب هو اللاعب المصري المحترف في صفوف فريق ليفربول الإنجليزي وملهم الأطفال والشباب، فأطلقوا اسمه على الفوانيس حيث انتشرت صورة عليها ليكون نجم العام، وربما هي المرة الأولى التي يحظى نجم كرة قدم بهذه المكانة، حيث اعتاد أن تحظى بها فنانات أو حتى مشاهير آخرين، لتجد البائع ينادي على تمره مثلا: «قرب قرب واشتري تمر ليلى علوي ويسرا»..وهكذا. كما تشتهر بعض المناطق القديمة بزخرفة شوارعها وأزقتها بالأعلام المصرية أو العلم المصري القديم بلونه الأخضر الذي تزينه النجمات الثلاث داخل الهلال باللون الأبيض، ويتوسط هذه الأعلام في الغالب مجسم كبير للكعبة المشرفة، ناهيك عن لمبات إنارة كبيرة وكأنك ترى هذه الشوارع والأزقة وكأننا نهاراً وليس ليلاً.

ومن فضائل رمضان العملية، العمل التطوعي في ما يسمى «الإفطار الجماعي» في المساجد تحديداً أو غيرها من أماكن إفطار المسلمين في رمضان، فمثل هذه الولائم هي ظاهرة إيمانية بالغة الشفافية تتجلي فيها روح التكافل الاجتماعي بصوره الجميلة ومعانيه النبيلة، الأمر الذي يعد قيمة مضافة للشهر الفضيل حيث التجليات الرائعة. ولعل معظمنا يشاهد الآن وقبل قدوم الشهر الفضيل استعدادات كل مسجد أو مكان عام يؤم جموع الصائمين، إذ يعمل القائمون على توفير كميات كبيرة من الأغذية و المياه، بالتعاون مع المحسنين والمتبرعين الذين يتسابقون على التبرع لوجه الله وتقرباً ومرضاة له. وهنا نعود إلى القاهرة ومصر التي اشتهرت بمثل هذه الولائم الرمضانية في مختلف مدنها وقراها ومساجدها، وإن لم نلحظ حتى الآن أية مشاحنات بشأن هذه الولائم حيث انتشرت في بعض السنوات الولائم التي كانت تقيمها فنانات وراقصات وحظيت بمتابعة إعلامية ودينية، وهل هي حلال أم حرام؟..وإن ليس موضعنا هنا هو التقييم من حيث حرمتها أو غيرها، وإنما مجرد تسجيل الحدث نفسه.

عموما..لقد أصبحت الولائم الرمضانية عادة محببة إلى النفس، وإن كانت ليست وليدة عصرنا الحالي، فهي عادة قديمة، حكى عنها الآباء والأجداد قبل انتشار المدن، إذ كان الأعيان يحرصون على إقامة ولائم جماعية لإفطار الصائمين، كشكل من أشكال المحبة والتآلف التي تعد من فضائل شهر رمضان المبارك في نفوس المسلمين. ولهذا نحمد الله تعالى على روح الآلفة والتكافل الاجتماعي، وهي المعاني التي صارت ثقافة عامة لدى المجتمعات المسلمة وبما يميزها كمجتمعات تتميز بالتآزر والتكاتف، بما يجعل من ديننا الحنيف رباطاً وثيقاً يجمع المسلمين ويوحد مشاعرهم ويشعرهم بأنهم أمة واحدة مهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم وبلدانهم. ولعل من الأمور المحببة في مثل تلك الولائم، ما نراه من الشباب الذين يسارعون إلى خدمة كبار السن ويوفرون لهم كل ما يحتاجونه وقت الإفطار، وهذا مظهر نبيل يدلنا على نقاء دواخلهم وحرصهم على خدمة إخوانهم، وهو ما يؤكد أيضاً حبهم لفعل الخير والرغبة في الثواب وما عند الله تعالى من أجر عظيم، ومظهراً عظيماً لتكاتف المسلمين من مختلف الأعمار بما يعبر عن روح الإيمان والأخوة الإسلامية في شهر رمضان المعظم أفضل شهور العام عند المولى عز وجل. فالكل ينذر نفسه وماله وصحته ووقته لخدمة الصائمين، وجميعهم تمتلئ قلوبهم بالإيمان وحب الخير رغبة في الأجر والثواب من عند الله في عمل تطوعي بدون أي مقابل مادي.

عودة إلى فضائل رمضان، فمنها تحريك الهمم وإثارة البواعث الإنسانية الشريفة، وشحذ العزائم نحو طاعة المولى عز وجل..وفيه يتوافد المصلون إلى المساجد ويقبل الصائمون على حلقات تحفيظ القرآن الكريم ويشاركون في مجالس العلم. وفي رمضان نرى سماحة القلب وسخاء النفس وبشاشة الوجه، كل هذا بسبب تأثير الصوم لما فيه من إثارة المشاعر الخيرة والعواطف الصادقة والأحاسيس النبيلة، وتذكير المسلم بواجباته الإيمانية، فالمسلم يحرم نفسه من طيبات الحياة وملذات المعيشة وأهواء النفس مرضاة لخالقه وطاعة لأوامره.

ونحن نستعد لاستقبال الشهر الفضيل، ننتظر صياماً نتزود فيه بالحصانة المانعة عن محارم الله والتزام حدوده وأحكام شرعه، فمثل هذه الحصانة هي الزاد لبقية العام، وقال تعالى: وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ البقرة 184.. وجاء تعليل سبحانه وتعالى الأمر بفرض الصيام بقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ البقرة 183، والمعنى أن للصيام فائدة كبرى وحكمة عليا، تتلخص في أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالا لأمره، واحتسابا للأجر عنده.

نعود إلى معاني رمضان الجميلة، ومنها الرغبة في الطاعة والتحلي بالهمة العالية بما يضاعف الأجر للمسلم خاصة في ظل الأيام المباركة التي نعيشها في ظل هذا الشهر. وإذا كان صلاح الدنيا يأتي من قلب شكور يحمد الله على كل ما يؤته به، فهذا الصلاح يتضاعف أيضاً بأداء الفرائض والتقرب لله عز وجل والاهتمام بالأعمال الحسنة التي تقرب العبد من ربه بنية صادقة في رفع الأجر ومضاعفته. فدرجات الأعمال ترفع بالنية الصادقة وصدق العمل والإخلاص في الأمر، لأن تعمير القلوب يأتي بالإخلاص والصدق وتدريب النفس على المواظبة على الطاعات والفرائض، ولهذا يعتبر شهر رمضان فرصة تأتينا كل عام لتلبية نداء الصلاة في وقتها وكف الأذى عن الآخرين والترفع عن الخوض في الأعراض والغيبة والنميمة ونصرة المظلوم.

وفي الشهر الكريم، لا نبالغ إذا أكدنا أن أعمال الخير تتضاعف، لأن أفضل استقبال للشهر الفضيل هو إتقان العبادة وبر الوالدين والطاعة لهم، علما بان الاجتهاد في البر لا يقتصر على الأحياء منهم فقط بل والأموات أيضا، أي بالتصدق على الأموات والدعاء لهم.

كاتب ومحلل سياسي بحريني

اقرأ المزيد