الشبيبة

نبكي إرثاً مضاعاً لم نحافظ عليه

علي بن راشد المطاعني

تضج الساحة المحلية والإعلامية بإرث حضاري عماني صرف وخالد لهذا الوطن العريق، الضارب في أعماق التاريخ، وجده الآخرون مهملا ومضيعا وبدون حارس يحميه وبدون مقاتل يذب عن حياضه، فنسبوه لأنفسهم ظلما ممنهجا من خلال محاولات كثيرة بدءاً من تقليد الحِرَف إلى نسب الأسلاف للغير، ومرورا بالاعتداء على المورثات وانتهاء بتحريف الجغرافيا والتاريخ وغيرها من الممارسات التي لا نتوقع أن تهدأ في خضم ما يجري بالمنطقة من مناوشات يختلط فيها حابل التاريخ بنابل السياسة ووسط متاهات لا نعرف إلى أين تجر المنطقة بكل تفاعلاتها، إلا أنه يمكن أن نستفيد من كل ذلك بأنها نبهتنا أكثر إلى أهمية مكتسباتنا التاريخية والحضارية وضرورة إيلائها كل الاهتمام والعناية التي تحد من السطو عليها.

ما حدث ويحدث حقيقة هو أن قادة وعلماء عُمانيين كانت لهم في شعاب المجد أياد ممدودة ومواقف سطرها التاريخ بأحرفه النورانية، فكان أن تم الاعتداء على أصولهم بهتانا مبينا، حدث هذا يوم أغفلنا ضرورة التصدي المباشر والسريع والحاسم لهذه المحاولات، بل الأنكى من ذلك والأمرّ هو أن التاريخ بكل عظمته وجلاله بات هو الآخر عرضة للتزوير، والتراث بكل أصالته غدا هو الآخر صيدا سهلا للانتحال والنهب والتقليد.

وبما أن كل هذا العبث يحدث أمام أعيننا فإننا وللأسف لم نحرك ساكنا إزاء الدفاع المقدس عن موروثاتنا، وإذ هو فرض عين لا فرض كفاية، أقصى الذي بذلناه هو إقامة الندوات وإطلاق الهاشتاقات في مواقع التواصل الاجتماعي، بعد كل صدمة وبعد كل لكمة نتلقاها تحت الحزام، وليكون دفاعنا عبارة عن ردود أفعال ليس أكثر، يستوجب إعادة النظر في كيفية إدارة هذا الإرث العظيم، لوطن أعظم له إسهاماته في الحضارة الإنسانية، لنعترف بأنه كان بإمكاننا بذل الأفضل، كان بإمكاننا توثيق أسماء هؤلاء الأعلام عبر تسمية شوارعنا الرئيسية ومياديننا وساحاتنا وأحيائنا السكنية ومعالمنا التجارية بأسمائهم تخليدا لهم وليبقوا في ذاكرة كل الأجيال العُمانية المتلاحقة، هذا إن فعلناه فلا يعدو أن يكون أضعف الإيمان، غير أن هذا الأضعف لم نأت به إلى أن وقعت الواقعة، فهذا الحال على ما يبدو متلازمة لدينا في التعاطي مع الأمور كلما وقع الفأس في الرأس كما يقال تحتاج إلى حلول جذرية.

ألا يستحق المهلب بن أبي صفرة، والخليل بن أحمد الفراهيدي وأحمد بن ماجد ومازن بن غضوبة وغيرهم من الأعلام أن تتشرف بأسمائهم كل معالمنا البارزة، والاهتمام بهم في برامجنا الإعلامية على اختلافها، بلى ورب الكعبة فهم يستحقون ذلك وأكثر من ذلك إن استطعنا إليه سبيلا، لكن هناك شبه استحياء من ذكر هذه الرموز وخجل من أن نوصم بالرجعية في ظل التطور والمدنية والموضات للأسف.

وعلى الرغم من أن السلطنة من أكثر الدول التي بها جهات ومؤسسات حكومية تعنى بالتراث والثقافة والحرف التقليدية والأدب وغيره، إلا أن هذه الهياكل التنظيمية لم تفطن لضرورة التوثيق لكل هذه الموروثات التراثية والقيم الحضارية كما ينبغي، وتعمل وتجدد من تقديمها لتراثنا وتاريخنا ورموزنا بحيث تتماشى مع تموجات الحداثة في العرض والتقديم، فما لدينا من إرث هائل يعود إلى عصور ما قبل الميلاد، وكنا نحن الأقدم والأطول باعا في كل شبه جزيرة العرب، أيضا بعيدا عن كل ذلك فإن مناهجنا كان حريا بها أن تتفاعل بمهنية واحترافية أكبر في منح هؤلاء الرموز والأعلام ما يستحقونه من اهتمام ليبقوا حاضرين في أذهان طلابنا وليعلموا علم اليقين كل شيء عن عظمة الأجداد وما تركوه لنا من إرث بات ملهما للحسد ممن لا يملكون تاريخا يعتد به.

إن التباكي والصياح والنحيب الذي تناهت إلينا أصداؤه بعد ندوة المهلب بن أبي صفرة في إطار تأكيد عمانيته، والتي نظمتها جماعة الخليل بن أحمد الفراهيدي في جامعة نزوى بعد أن فار تنور غيرتها المشروعة على تاريخ لنا يُنهب، وهي ورغم إمكاناتها البسيطة استطاعت التصدي لهذا الجرم الكبير بحق تاريخ عُمان وبحق أمجاد أسلاف هذا الوطن، في حين إن الجهات المختصة ما راوحت مكانها من سبات إلى غيبوبة أعمق، رغم إن إمكانياتها لا تقارن بجماعة الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهذه تعد من المفارقات المؤلمة التي تعكس هشاشة الاهتمام بتاريخنا التليد والمجيد.

بالطبع هناك جهود تبذل في مجالات التراث والتاريخ من الجهات المختصة، لكنها ليست كافية وليست شاملة أيضا ولن تستطع مواجهة رياح السطو المنظم والمقترن بآلات إعلامية تم تدريبها وصقلها وإعدادها لسرقة وانتحال التراث والتاريخ وحضارات الآخرين في إحدى أغرب الظواهر الكونية المحدثة.

قد نتفق بأن السطو على الإرث الحضاري للسلطنة لن يوقفه الاهتمام والعناية بهذه المورثات، فالقرصنة البحرية موجودة مع تشديد الأجهزة الأمنية وفرض سياج على البحار والمحيطات، وأنظمة الحماية الأمنية الإلكترونية يصعب عليها مواكبة موجات التهكير لأجهزة الجهات والمؤسسات الإلكترونية والملاحقات والمناكفات لن تثني السطو، لأن العيون الزائغة تغازل الغالي والنفيس في كل مكان وموقع ثمنين، والأنفس المقتنعة والكبيرة تبقى تتحمل المحاولات أملا أن يتعقل الآخرون والإيمان بالثوابت التاريخية والتراثية التي صعب صناعتها وشراؤها أو السطو عليها، ولكن الحذر مطلوب والاهتمام الأكبر ذو أهمية تلافيا لمثل هذه المحاولات وغيرها.

نأمل أن تكون هذه الحوادث والأخطاء التي وقعت إزاء التعاطي مع تراث الأسلاف العظام بمثابة الناقوس الذي يدق بالقرب من طبول آذاننا ليحدث فيها ذلك الشرخ الأليم الذي نستحقه فعلا، ومن بعد ذلك فإننا سنعلم تماما ومن الآن وصاعدا ما يتعين علينا فعله وعمله إزاء ارثنا الحضاري الضارب في أعماق التاريخ والموغل في القدم.

فلا يجب أن يصدق علينا ما قالته عائشة عبد الرحمن لأخيها أبو عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس عندما سقطت غرناطة في يد النصارى، مع فارق التشبيه طبعا، للاستدلال على ما تشهده الساحة المحلية والإعلامية من تباك على إرث حضاري عماني أصيل ينسبه الآخرون لأنفسهم لم نحافظ عليه كما يجب.. «نبكي مثل النساء إرثا مضاعا لم نحافظ عليه مثل الرجال».

اقرأ المزيد