الشبيبة

أن تكون محايداً

فريد أحمد حسن

ماذا يعني أن تكون محايداً؟ السؤال مهم وإجابته ليست سهلة كما يعتقد البعض وكما يبدو من ظاهر الكلمة، فالحياد مسألة صعبة وإن كان مختصرها عدم الوقوف مع طرف ضد طرف آخر أيا كانت الأسباب، حيث اتخاذ قرار بالحياد مسألة ليست بالهينة، وحيث الالتزام بالحياد مسألة أصعب خصوصاً وأن الظروف والأحوال تتغير وبقاء الحال على ما هو عليه يكون في بعض الأحيان من المحال، وقد يحدث أن يتعرض المحايد لضغوط أو ظروف ومواقف تدعوه إلى كسر قراره والانحياز إلى طرف دون طرف وإن بشكل مؤقت، وهذا أمر حدث في التاريخ ويحدث باستمرار في عالم السياسة من دون إنكار وجود حالات تعتبر مثالية التزم أصحابها بمواقفهم الحيادية رغم كل ما تعرضوا له من ضغوط ورغم ما عانوا منه بسبب مواقفهم المحايدة.

حسب اللغة فإن الحياد يعني «عدَمُ الميْل إِلى أي طرفٍ من أَطرافِ الخُصومة» وأن تكون على الحياد يعني أنك «غير منحاز لأيٍّ من الطرفين»، وهناك الحياد الإيجابي وهو «مذهب سياسيّ يقوم على عدم الانحياز إلى كتلة من الكتل المتصارعة دوليًّا»، وهناك الحِياد السِّياسيّ وهو «مذهب سياسيّ يقوم على عدم الانحياز إلى كتلة سياسيّة من الكتل المتصارعة في الميدان السِّياسيّ»، وفي كل الأحوال فإن الحياد «يكون في أمر يحمل خلافاً بين طرفين أو أكثر، وهو عدم الانحياز أو الميل في الموقف إلى طرف أكثر من آخر، خاصة في نزاع أو حرب، إلخ» كما جاء في الويكيبيديا. وبناء عليه «لا يشارك المحايد في المواجهات المسلحة أو في التبادل الدبلوماسي أو السياسي».

أما مصطلح «الدولة الحيادية» فهو «الصفة القانونية لبلد ما يمتنع عن المشاركة في أي حرب أو نزاع بين البلدان الأخرى ويلتزم مسافة واحدة من جميع الأطراف المتحاربة مع ضرورة اعتراف الدول الأخرى بنزاهة وحيادية ذلك البلد». أما من الناحية التاريخية فإن «حقوق البلدان الحيادية تضمنت عدم استخدام أو احتلال أراضيها من جانب أي طرف متحارب، وعلى استمرار العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى المحايدة منها والمتناحرة، وأيضاً على حرية مواطني البلد المحايد في متابعة أعمالهم وعلى احترام عزمهم في البقاء كدولة حيادية» حسب المصادر التاريخية فإنه خلال الحرب العالمية الأولى وأيضاً الثانية لم تحترم بشكل عام المعايير الأساسية للحياد الدولي، فبعض الدول الحيادية تراجعت عن حيادها وبعضها الآخر تم اجتياح واحتلال أراضيها أو استخدامها لمهاجمة دول أخرى. ومع نهاية القرن العشرين تقلصت حرية الدول الحيادية بشكل حاد.

من الدول المعروفة بحاديتها أيرلندا التي اتخذت هذا النهج منذ استقلالها في العام 1922، وتركمانستان التي أعلنت الحياد الدائم، والسويد التي لم تخض أي حرب منذ إنهاء تورطها في الحروب النابليونية العام 1814 ما يجعل منها أقدم دولة محايدة في العالم، وسويسرا التي هي من أشهر الدول الحيادية وهي ثاني أقدم بلد محايد في العالم حيث لم تشترك في أي نزاع عسكري خارجي منذ إعلان حيادها في مؤتمر فيينا العام 1815، وفنلندا التي آلت على نفسها عدم التدخل في الصراعات الدولية، وكذلك كوستاريكا والنمسا. وهناك دول تدعي الحياد ولكنها لم تحصل على الاعتراف الدولي مثل كمبوديا وبلجيكا ولاوس ولوكسمبورج وهولندا. بناء على كذلك يقول السياسيون عن الحياد بأنه عبارة عن «التزام تقطعه الدول على نفسها بعدم التدخل في شؤون الأسرة الدولية وأنه يأخذ أحد شكلين ؛ تعاقدي بموجب معاهدة دولية، ومؤقت وهو تعبير عن إرادة منفردة ومتعلق بنزاع مسلح محدد. وحسبهم أيضا فإن مصطلح الحياد ظهر أول مرة في القرن الرابع عشر، وأنه يعزى إلى الفقيه غروشيوس في القرن السادس عشر أنه أشار إلى إمكان قيام دولة ما بالتزام الحياد في حال نزاع مسلح قائم، وهم يؤكدون أن الحياد لم يبرز كمبدأ قانوني إلا في نهاية القرن التاسع عشر مع اتفاقيات لاهاي لعام 1899 حول قانون الحرب، ومن ثم مع اتفاقيات لاهاي لعام 1907 التي وضعت قواعد وأسس محددة لمفهوم الحياد، ولم يغب عن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والمتعلقة بحماية ضحايا النزاعات المسلحة من أشخاص وأعيان والتي تشكل ركيزة القانون الدولي الإنساني أن تشير إلى مبدأ الحياد سواء في الاتفاقية المتعلقة بحماية أسرى الحرب أو تلك المتعلقة بحماية المدنيين، إذ أفردت للدول المحايدة «قوة حيادية غير محاربة» ولرعاياها معاملة خاصة.

أما في هذه المنطقة التي صارت تشهد الكثير من الصراعات فإن سلطنة عمان تعتبر الدولة الوحيدة التي التزمت مبدأ الحياد وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وعدم قبولها بتدخل الآخرين في شؤونها بطريقة مدهشة، حيث رسم صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم منذ توليه مقاليد الحكم في السلطنة في الثالث والعشرين من يوليو العام 1970 سياسة السلطنة تجاه كل الأزمات التي عصفت وتعصف بالمنطقة، وجعل من السلطنة – حسب تعبير صحيفة اليوم السابع المصرية «صفر مشاكل».. في وقت تعانى فيه دول أخرى من مشاكل جمة نتيجة سياستها التي تتسم بالإصرار على التدخل في شئون دول أخرى لتحقيق مصالحها.

التجارب أثبتت أن الصعوبة ليست في اتخاذ قرار بالحياد والإعلان عنه ولكنه في الالتزام به وعدم السماح لمختلف المتغيرات والتطورات والظروف الطارئة فرض نفسها عليه، ولهذا ينظر العالم كله إلى السلطنة بتلك النظرة الدهشة، فالحياد في هذا الزمن وفي هذه المنطقة مسألة أكثر من صعبة.

كاتب بحريني

اقرأ المزيد