جريدة الرياض

موندريان.. رائد المدرسة التجريدية الهندسية

يعتبر بت موندريان Piet Mondrian 01872-1944م هولندي الأصل من أهم فناني القرن العشرين، فهو رائد الجماعة الهولندية التي عرفت دي ستيل The Style وهو من أبرز فناني ومؤسسي ومنظري المدرسة التجريدية في التشكيل المعاصر والذي بدأ ينشر ويؤصّل هذا الاتجاه الفني في كتابه الفن الحديث، حيث ذكر في كتابه إني لا أود أن أمثّل الإنسان كما هو كائن، وإنما بالأحرى كما ينبغي أن يكون، وذكر أيضا في مجلة دي ستيل عام 1917م إنه وراء أشكال الطبيعة المتغيرة، هناك تكمن الحقيقة نقية وثابتة، ولها قوة تعبيرية.

يعد موندريان أول من كشف خصائص الشكل واللون الطبيعيين حيث يرى أن مظاهر الأشكال تتحول وتبقى الحقيقة دائمة حيث توصل إلى التشكيل الخالص والنزعة اللا موضوعية واللا تمثيلية ففي مجال الفن حيث بدأ يجرد الأشكال ويلخّصها ويبسّطها وينقّيها بقدر الإمكان ويبعد عنها كل ما هو بعيد عن الحقيقة أو يثير التفاصيل المزعجة للرسالة البصرية، إلى أن توصل إلى أن الخط المستقيم بنوعيه الأفقي والرأسي والخط المنحني هي مكمن التشكيل وهي التي تحقق التوازن والتكافؤ في العلاقات البصرية والتي تعبر عن النقاء الجوهري حين نستطيع فقط أن نفجّر ما فيها من إمكانيات تشكيلية وجمالية وتعبيرية.

فنلاحظ في أعمال موندريان الاعتماد على التقاء الخطوط المستقيمة المتقاطعة أفقيا ورأسيا كقوتين في اتجاهين متعاكسين فالتقاء الخط الرأسي بكل ما يحمله من دلالات ومعاني للشموخ والعظمة والنمو والسمو والصعود حين التقائه مع الخط الأفقي بما يحويه من معاني ودلالات نفسية توحي للمشاهد بالاستقرار والتوازن والسكون والهدوء، كل هذا التناقض يجمعه موندريان بشكل متآلف وحميم ويصيغه ببراعة في شكل منطقي بصريا، عندها يرى الفنان أنه قد حقق آماله الفنية والتشكيلية عند هذا الالتقاء الذي استطاع من خلاله أن يزيل ذلك التوتر الديناميكي للرؤية في هذا التعامد المنطقي الذي هو أساس تركيب وبناء الوجود كما نلاحظ في تعامد الأشجار الطويلة مع خط الأرض الذي تستقر عليه كافة الموجودات.

كما يرى موندريان في تكرار هذه الخطوط المتعامدة إبداع نوع من الإيقاع الجميل والتناغم في الحقول المرئية في مجال إدراك العمل الفني فيحقق بذلك علاقات شمولية ومتوازنة ومتكاملة بشكل مثالي حينما يدمج ذلك التجريد الخطي الهندسي في أبسط صوره مع أقصى درجات الاختزال والتجريد اللوني حينما يستخدم الألوان الأساسية الأصفر ،الأحمر والأزرق صافية ونقية دون مزج والألوان المحايدة الأبيض والأسود الذي يرى أنهما الجار الحميم والودود لكل المساحات اللونية التي يستخدمها ليحقق من خلالها مفهومه الخاص حول الصورة الخالصة وليترك الألوان تولّد الدلالات حسب ما توحيه لكل مشاهد على حدة.

إجمالا يعتمد موندريان على الخطوط المتعامدة والألوان الصافية والمساحات المتنوعة في تحقيق قيم الجمال وقوانينه فيظهر لنا التنوع العجيب داخل الوحدة، والبساطة داخل التعقيد، والانسجام مع التباين من خلال الأفقي والرأسي في الخطوط والأساسي والمحايد والبارد والحار في الألوان والواسع والصغير في المساحات. فينظر المشاهد إلى جماليات التنوع في المساحة وتحكّم الفنان وسيطرته على الفراغ داخل الكادر البصري، كما يشاهد التوازن العجيب في توزيع الألوان المتناغمة والمتصارعة داخل اللوحة.

لقد كوّن موندريان مذهبا فنيا قائمة بذاته داخل المدرسة التجريدية الهندسية، التي لها رؤيتها الخاصة للفن ولها أهدافها وفلسفتها المنبثقة من هذا الفكر. انتشر أسلوب هذه المدرسة بمجالات عديدة من مجالات الفن وبالذات مجال الديكور والأثاث والملابس والأدوات المنزلية عند الباوهاوس، وتولدت منها حركة Op-Art التي كانت امتدادا وتطورا طبيعيا لهذا الفكر الفني الجميل.

بت موندريان
عصام عسيري*