صحيفة الخليج

جراحات القلب و الصدر الحديثة.. تطور تقني يحقق الشفاء

تحقيق: راندا جرجس

تعتبر الأمراض التي تصيب الرئة والقلب من أكثر أسباب الوفاة انتشاراً في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها تعيق ممارسة الحياة الطبيعة للأشخاص، حيث يصاحب هذه الإصابات في بعض الأحيان بعض الأعراض والعلامات، كالتعرق، الشعور بالاختناق، ضيق التنفس، الغثيان، وشعور بالضعف الكلي العام، كما تختلف مسببات الإصابة من شخص لآخر، ومع التطور التقني الهائل في كافة مجالات الطب أصبحت هناك تقنيات حديثة، تحقق نسبة الشفاء للمريض، من دون التدخل بعمليات جراحية طويلة معقدة كما السابق.
تقول الدكتورة إيما بيدو، استشاري جراحة الصدر، إن الرئتين تتكونان من عدة فصوص رئوية، تتألف الرئة اليمنى من ثلاثة فصوص، هي الفص العلوي والمتوسط والسفلي، بينما تتكون الرئة اليسرى من فصين اثنين هما الفصان العلوي والسفلي، ويُشكل كل فص قسماً منفصلاً عن باقي الفصوص إلى حد ما، حيث يتمتع بحصته الخاصة من الأوعية التي تغذيه بالدم، وشعبه الهوائية التي يمكن تمييزها بسهولة، ويعد استئصال فص رئوي كامل علاجاً قياسياً يتم استخدامه عادة لدى المرضى المصابين بأورام سرطانية ضمن فص رئوي واحد، ويمكن إزالة كامل الرئة أيضاً إذا تطلب الأمر، والجدير بالذكر أن إجراء جراحة الصدر بمساعدة الفيديو يناسب جميع الفئات العمرية من البالغين وكبار السن، ولكنه يطبق بشكل أكبر على مرضى سرطان الرئة، ونظراً لصغر حجم منطقة الصدر لدى الصغار، فيكون الحل الأكثر أماناً معهم هو جراحة شق الصدر، بدلاً من محاولة استخدام أدوات جراحة الصدر بالمنظار ضمن التجويف الصدري الصغير للطفل.

استئصال الفص الرئوي

تشير د.إيما إلى أن جراحة الصدر باستخدام الفيديو لاستئصال الفص الرئوي تعد تقنية جديدة كلياً لإزالة أجزاء من الرئة نتيجة لأسباب مختلفة، وتتطلب إجراء شقوق جراحية صغيرة، وبالتالي يتجنب الطبيب شق الصدر وتوسيع المسافة بين أضلاع القفص الصدري، ما يعني تدخلاً جراحياً أقل بالمقارنة مع العمليات التقليدية، وخفض مدة تعافي المريض بعد الجراحة، والجدير بالذكر أن الأورام الكبيرة أيضاً يمكن إزالتها بواسطة هذه الشقوق الجراحية الصغيرة، كما يمكننا استئصال العقد اللمفاوية المنصفية، وهي الممارسة القياسية المتبعة في جراحات سرطان الرئة، التي تتيح أفضل الفرص أمام المرضى للعيش لفترة أطول، كما يُشكل هذا الإجراء علاجاً ناجعاً يعزز فرص إنقاذ حياة المرضى عند اكتشاف المرض في مرحلة مبكرة، وخاصة في الوقت الذي تشير فيه إحدى الدراسات التي أجريت مؤخراً إلى احتمال إصابة 30 شخصاً سنوياً بسرطان الرئة بحلول العام 2020، في منطقة الشرق الأوسط.

الجراحة

تذكر د.إيما أنه تتم الاستعانة بتقنية جراحة الصدر بمساعدة الفيديو في جميع حالات استئصال الفص الرئوي، وعلاج سرطان الرئة، حيث أتاحت الخبرات المتنامية في هذا المجال إمكانية تطبيق هذا النوع من الجراحة على الأورام السرطانية الأكبر حجماً، إضافة إلى الأورام السرطانية الصغيرة التي تنتشر خلال مرحلة مبكرة من المرض، كما يتم استخدام هذه التقنية لعلاج مجموعة أخرى من الأمراض مثل السل، داء الرشاشيات، التشوهات الخلقية للغدد، ومرض توسّع القصبات الهوائية.

ما بعد الجراحة

وتوضح د.إيما أن المريض يستطيع متابعة حياته بعد خضوعة لجراحة الصدر بمساعدة الفيديو، وغالباً ما يعود المرضى إلى منازلهم بعد إجراء الجراحة بثلاثة أو أربعة أيام، حيث يمكنهم استخدام مسكّنات الألم الموصوفة لهم، والتحرك بشكل مريح بفضل هذه المسكنات، ولكن التأثيرات الفورية للتهوية الرئوية التي تعقب الجراحة، وكمية الأنسجة التي تم استئصالها من الرئة، تحد من قدرة المريض على التنفس عند خروجه من المستشفى، وخاصة أن الأنسجة المستأصلة تحتاج لإجراء علاجي لتعمل من جديد، ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا من خلال التمارين الرياضية، حتى تزداد القدرة على التنفس بشكل كبير خلال فترة تتراوح بين 6-8 أسابيع من وقت إجراء الجراحة، حيث تبين بأن الوظيفة التنفسية تواصل تحسنها خلال عام واحد بعد إجراء العملية الجراحية، ويتوقف المريض عن تناول الأدوية المسكّنة للألم في غضون فترة تتراوح بين أسبوعين إلى ستة أسابيع من وقت خضوعه للجراحة.

مضاعفات ومخاطر

تؤكد د.إيما على أن المضاعفات الناجمة تكون بنفس الدرجة، كما هو الحال في جميع العمليات الجراحية؛ حيث إن هناك مخاطر تتعلق بالتخدير والعدوى الجرثومية والنزيف، أما عن المخاطر التي تتعلق بجراحة الصدر بمساعدة الفيديو تحديداً، فهناك ما يتعلق بالحاجة إلى إجراء جراحة شق الصدر لأسباب فنية أو إمكانية ظهور نتائج غير متوقعة عند النظر إلى الصدر باستخدام كاميرا جراحة الصدر، ويمكن لذلك أن يتضمن إجراءً تدخلياً في منطقة جدار الصدر والأورام القريبة جداً من منطقة نقير الرئة، ما يزيد من خطورة جراحة الصدر بمساعدة الفيديو. وبالرغم من ذلك، تبقى احتمالات حدوث مضاعفات أقل بكثير من عمليات شق الصدر، حيث وصلت نسبة النجاح بالنسبة لعدد كبير من المرضى الذين خضعوا لهذه الجراحة إلى 100%، بينما تبلغ نسبة نجاح العمليات الجراحية التي تتطلب إحداث شق كبير في الصدر وتوسيع المسافة بين الأضلاع جراحة شق الصدر حوالي 5% فقط.

الصمام الأبهري

ويوضح الدكتور تشيزاري كوارتو استشارى جراحة القلب، أن الصمام الأبهري هو الذي يتحكم بجريان الدم من القلب إلى بقية أنحاء الجسم، وعندما تتضرر هذه الوظيفة، كما هو الحال في التضيق أو القلس التسريب أو آفات القلب الولادية على سبيل المثال، فإن الحالة عادة ما تتطلب إجراء جراحة يتم خلالها استبدال الصمام بهدف استعادة الوظيفة الطبيعية، أما في حال عدم المعالجة، فإن سوء وظيفة الصمام يمكن أن يؤدي إلى تراجع كبير في نوعية حياة المريض، ومن ثم إلى قصور القلب والوفاة، ولذلك تعد «أوزاكي» عملية ثورية تُشكل أحدث الإضافات إلى قائمة التقنيات المتطورة التي يتم تطبيقها لتحسين حالة المرضى الذين يحتاجون إلى جراحة في الصمام الأبهري.

عملية «أوزاكي»

تشتمل هذه التقنية استخدام نسيج حيواني لترميم الصمام الأبهري المتضرر، حيث يتم ذلك عادةً من خلال زراعة غرسة حيوية مزودة بشبكة بدلاً من استبدال الصمام بأكمله بغرسه صناعية، ولذلك يعلق الخبراء والجراحون آمالاً كبيرة على هذه التقنية الجديدة لإحداث ثورة على مستوى طريقة إجراء الجراحة للمرضى المصابين بمرض مهدد للحياة في الصمام الأبهري، خاصة أن سوء وظيفة هذا الصمام أو عدم معالجته يمكن أن يؤدي إلى تراجع كبير في نوعية حياة المريض، ومن ثم إلى قصور القلب والوفاة، كما أظهرت البيانات الصادرة مؤخراً، أن هذه التقنية الجديدة تعطي نتائج تدوم لوقت أطول مما هي عليه في حالة الاستبدال الكامل للصمام، حيث يتم إصلاح الصمام من خلال نسيج قلبي تمت معالجته بطرق خاصة في المخبر؛ لضمان عدم إصابته بالتنكس ولإلغاء خطر تعرضه للرفض من قبل الجهاز المناعي للجسم.

ترميم الصمام الأبهري

يشير د. تشيزاري إلى أن عملية ترميم الصمام الأبهري تقوم على إعادة بناء الصمام ليعود إلى وظيفته المعتادة والتحكم بجريان الدم كما هو في الحالة الطبيعية، ولذلك يتعمد الجراحون قياس الجزء المتضرر من الصمام بوساطة معدات تخصصية وتقنيات متقدمة للتصوير قبل إجراء العملية، ليتم قص النسيج البديل بأبعاد مطابقة له تماماً، وهو ما يغني عن الحاجة إلى استبدال الصمام بأكمله، وحالما تتم خياطة النسيج إلى الصمام الأبهري، فهو يعمل بشكل مشابه للنسيج الأصلي، ما يتيح استعادة الوظيفة الطبيعية للدسام، كما تتمثل الأفضلية التي تتيحها الغرسات الحيوية المأخوذة من الأنسجة الحيوانية في أنها تغني المرضى عن الحاجة إلى تناول الأدوية المميعة للدم، ما يسمح بالحصول على نتيجة أفضل وتدوم لوقت أطول، بحكم العناصر الطبيعية المستخدمة التي تحول دون التكلّس، الذي ربما يحدث في حال اعتماد الصمام الصناعي.
يستكمل: يمكن لاضطراب وظيفة الصمام الأبهري أن يصيب أي شخص كان، إلا أن هذه المشكلة لدى الشباب غالباً ما تكون خُلقية، أما لدى المسنين الأكثر من 65 عاما، فهي تكون مؤشراً على التنكس الطبيعي للصمام الأبهري، نتيجة عوامل كالبدانة والتدخين وارتفاع ضغط الدم وتكلّس الصمام، وكمعدل متوسط، يحتاج الصمام المرمم إلى التبديل بعد ثماني إلى خمس عشرة سنة، حيث يتوقف ذلك على عمر المريض، ما يجعله مفيداً بشكل خاص للمرضى لمن تتجاوز أعمارهم 65 عاماً، والذين لا يدوم استبدال الصمّام لديهم عادةً أكثر من ثماني سنوات.

مقومات الشفاء

يفيد د. تشيزاري بأن عملية «أوزاكي» تستغرق حوالي أربع ساعات، وعادة ما يقضي المرضى بعدها 5-6 أيام في المستشفى على نحو مشابه لما هو عليه في جراحة استبدال الصمام، ثم يكون قادراً بعد ذلك لاستئناف حياته الطبيعية، حيث تبلغ نسبة النجاح 100%، أما على مستوى العالم، فأظهرت الإحصائيات أن التخلص من المرض يحدث بنسبة 98.5% بعد إجراء هذه العملية، وتعد المضاعفات المحتملة لعملية ترميم الصمام الأبهري، كغيرها التي يتعرض لها المريض بعد عملية استبدال الصمام الأبهري العادية، ولا توجد أي مخاطر إضافية تثير القلق.

الخلايا الجذعية تفيد جراحة القلب

تتمتع الخلايا الجذعية بمجموعة من المميزات، وخاصة تحفيز نمو الأنسجة عند زرعها في القلب لاستبدال وإصلاح عضلة القلب المصابة وإنتاج أوعية دموية جديدة لاستعادة وظيفة القلب عند تعرضه لبعض الأمراض، ومن خصائصها أيضاً التجدد اللانهائي، والقدرة على التمايز إلى سلالات مختلفة من الخلايا، الحقن داخل الشريان التاجي، ويعد النهج الأكثر شيوعاً هو حقن الخلايا الجذعية مباشرة في شرايين القلب، باستخدام قسطرة على شكل بالون، وتعد نتائج الحقن بالخلايا الجذعية ممتازة فيما يخص السلامة في الدراسات السريرية، أما المضاعفات فهي محدودة، وتتمثل في احتمال حدوث انسداد في الأوعية الصغيرة بسبب حقن الخلايا الذي يقلل من تدفق الدم إلى القلب.