صحيفة الخليج

«أطفال لصوص»..مشكلة تثير قلق الوالدين

تتعدد المشكلات التي تواجه الأطفال نتيجة مسببات كثيرة، ومنها ما يتعلق بالجانب النفسي وبعضها بالناحية الجسمية وأخرى بالعوامل الأسرية أو المدرسية، ومن أكثر المشكلات التي تثير قلق الأهل إصابة الطفل بمرض السرقة في هذا العمر المبكر.
وترتبط هذه المشكلة بأحد العوامل المذكورة آنفاً، وربما تكون بسبب عدم إدراك أو فهم الطفل لمفهوم السرقة وأضرارها على المجتمع، وكذلك نظرة الدين والقانون والأخلاق إليها، ولمن يقوم بهذا الأمر.
ويجب على الوالدين التعامل مع مشكلة السرقة بشيء من الحذر، فلا ينبغي التشهير بالطفل بين أشقائه وأصدقائه، أو التحقيق معه والضغط عليه حتى يعترف بالذنب، وكذلك لا يجب وصفه بألفاظ سيئة يمكن أن تهدد صحته النفسية مثل يا حرامي أو ما شابهها.
ويختلف علاج هذه المشكلة عامة باختلاف السبب، وأيضاً باختلاف عمر الطفل، وإذا كانت هذه المرة الأولى التي يسرق فيها، أو أنه قام بهذا السلوك مرات سابقة.
نتناول في هذا الموضوع تفاصيل هذه المشكلة التي تصيب الصغار، والعوامل والمسببات التي تؤدي إلى الإصابة بها، وكذلك نعرض النصائح وطرق الوقاية التي يقدمها المتخصصون، مع بيان أساليب العلاج الفعالة والحديثة.

المرحلة العمرية

يقوم الطفل في مرحلة ما بين الثالثة والرابعة بأخذ الأشياء التي يريدها علانية، حيث إنه لا يفهم أن هذه الأشياء لها قيمة مالية، وأن من الخطأ أن يأخذها دون دفع مقابل لها، وهو يعاود القيام بهذا السلوك بالرغم من العقاب الذي يقع عليه من الأهل، وذلك لأنه يعتبر ما يقوم به شيئاً طبيعياً.
ويعرف الأطفال غالباً في سن المدرسة أنهم لا يستطيعون أخذ أشياء دون دفع الثمن، إلا أنهم يقومون بهذا السلوك لأنهم لا يقدرون على ضبط أنفسهم، ويقوم المراهقون بهذا الأمر لأنهم يشعرون بالإثارة، أو ربما كنوع من التقليد للأصدقاء حتى يكونوا أكثر قبولاً لديهم، وبالأخص أصدقاء السوء.
ويعتقد بعض المراهقين إمكانية الفرار بفعلتهم، كما أن سلوك السرقة يعطيهم إحساساً بالقدرة على التحكم في حياتهم بسبب الاستقلالية التي يشعرون بها، ويمكن أن يقوموا بهذا السلوك كنوع من التمرد على كل شيء، أو للفت الانتباه وإثبات الذات.

الأمر مختلف

يعد مفهوم السرقة واضحاً لدى الكبار، وهم يعرفون أبعاده وأسبابه وأضراره، ويمكن لهم الحكم الصحيح على ما يقوم به، ويختلف الأمر بالنسبة للطفل الذي يحاول أن يستحوذ على شيء لا يمكن له امتلاكه، ولذلك لا نستطيع وصف الطفل في هذه الحالة بأنه لص.
وينبغي أن يعرف الصغير أنه عندما يأخذ شيئاً ما دون الحصول على إذن من صاحبه، فإن ذلك يعتبر سرقة، وبالتالي تقع المسؤولية منذ البداية على الوالدين، حيث يجب أن يتم تعليم الطفل أن السرقة عمل خاطئ، وبذلك يتبلور مفهوم السرقة لديه بشكل أكثر وضوحاً.
وتعتبر السرقة سلوكاً مرضياً يعبر به الطفل عن حاجة نفسية لديه تحتاج إلى إشباع، وعندما تصل إلى درجة المرض فيجب الاهتمام والعمل على علاجها بالشكل الصحيح، حتى لا تتفاقم لدى الطفل، وتستمر معه ويصبح شخصية غير سوية في المستقبل.
فهناك العديد من الأشخاص الذين يعانون هذه المشكلة في الكبر، وغالباً ما يندمون بعد القيام بسرقة متعلقات الغير، على الرغم أنهم ليسوا لصوصاً أو محترفي سرقات، ولكنه المرض الذي تطور معهم منذ نعومة أظفارهم.

أخطاء تربوية

يجب أن يتعامل المربي مع مشكلة السرقة عند الأطفال بشكل صحيح، لأن الكثيرين يقعون في العديد من الأخطاء، ومنها أن يقوم الأب أو الأم بمعاقبة الطفل قبل التحقق من الأسباب وراء السرقة.
وكذلك يتم إجراء تحقيق مع الطفل حتى يحمل على الاعتراف بالسرقة، ويمكن أن يدفع هذا التصرف الطفل إلى سلوك الكذب للدفاع عن نفسه، وهو سلوك آخر غير مرغوب فيه.
ويزيد الأمر سوءاً أن يتم التشهير بالطفل بين الأصدقاء والمعارف، وهو ما يسبب للطفل أزمة اجتماعية وأخرى نفسية، ويهدد الصحة النفسية للطفل إطلاق ألفاظ نابية عليه مثل أن يقال له يا لص أو يا حرامي.

الحرمان والغيرة

تتنوع الأسباب التي تدفع الأطفال للسرقة، ومنها الحرمان وعدم إشباع الحاجة إلى الطعام، فيمكن أن يسرق الطفل لأنه جائع، فيسرق الخبز أو متعلقات زميله، ولذلك ينبغي على الأهل تزويد الطفل باحتياجاته من الأكل والمصروف حتى لا يضطر إلى السرقة أو يستلف من زملائه.
يمكن أن يكون دافع السرقة الغيرة أو الانتقام، فهو يغار من طفل آخر فيسرق منه من أجل التشفي، ويمكن أن يكون دافع الغيرة من مولود جديد، أو محاولة من الطفل للفت انتباه والديه بسبب انصراف والديه عنه.
ويدفع حب التملك الطفل إلى السرقة، فهو يمكن أن يسرق لمجرد التلذذ بملكية اللعبة التي أخذها من طفل آخر، ثم يعيدها لصاحبها بعد أن يفرغ منها وتفقد جاذبيتها وتحدث له حالة إشباع منها.
ويدفع الطفل للسرقة محاولة التخلص من مأزق ما، كأن يسرق نقوداً ليشتري هدايا لمعلمه حتى يتخلص من قسوته وتأنيبه له أمام زملائه، أو نتيجة ضياع شيء مهم منه فيحاول السرقة ليشتري مكانه.

التدليل والنقص والتباهي

يوجد بعض الأطفال الذين اعتادوا الحصول على كل ما يريدونه، وبالتالي فإنهم يأخذون ما يقع تحت أيديهم ظناً أن كل شيء مسموح به، ويكون دافع السرقة في هذه الحالة هو التدليل الزائد، ولذلك ينبغي على الوالدين الانتباه لهذا الطفل.
ويمكن أن يكون الهدف وراء السرقة هو شعور الطفل بالنقص والتباهي، وهو في هذه الحالة يسرق أشياء لا يحتاج إليها، وتكون السرقة لمجرد لفت الانتباه وإثبات الذات.
وتسبب الخلافات الزوجية في بعض الأحيان دفع الطفل ليسرق من زملائه، ويدفع الطفل للسرقة خوفه من العقاب، كأن يفقد أقلامه أو كراسة له، ولخوفه من عقاب أبيه يضطر لسرقة متعلقات زملائه.
يمكن أن تلعب البيئة دوراً في أن إصابة الطفل بمرض السرقة، حيث يتعلم من خلالها الحلال والحرام والسلوكيات الحسنة والسيئة، أو العكس فيمكن أن تكون البيئة محفزاً على السرقة، من خلال أصدقاء السوء أو بيئة التربية المنحرفة.

العلاج بالحكمة والصبر

يؤكد الخبراء والأخصائيون أهمية علاج هذا السلوك قبل أن يتفاقم، ويحتاج علاج الطفل المصاب بمرض السرقة إلى حكمة بالغة من الوالدين وصبر، وكثير من الرعاية والاهتمام والمراقبة.
ويجب على الوالدين بناء جسور الثقة والتفاهم والتواصل مع الطفل، واستيعاب السبب وراء تصرف الطفل بهذه الطريقة قبل معاقبته، لأن هذا الفهم يترتب عليه العثور على الحل المناسب، والعمل على إزالته، مع التركيز على الصفات المغايرة للسرقة وتدعيمها، حتى يختفي السلوك غير المرغوب فيه.
وتجنب تعامل الوالدين بشكل عصبي مع الصغير، والتفكير بهدوء بطريقة يمكن بها تخليص الطفل من هذا السلوك، وكذلك الابتعاد عن تهديد الطفل وتخويفه في حال ضياع أقلامه وكراساته على سبيل المثال.
ويجب تشجيع الطفل بتقديم الهدايا له، حتى ندفعه للتحلي بالأمانة، مع رواية القصص التي تغرس في الطفل الصفات الفاضلة.

إشباع الحاجات النفسية

يعمل الأهل على إشباع الحاجات النفسية للطفل بنفس قدر الحاجات المادية، وذلك لأن الحاجة للحنان والحب والاهتمام لا تقل عن الحاجة للأكل والشرب، ونقص إشباع هذه الحاجات يخلق طفلاً غير سوي ومملوء بعقد النقص والمشاكل السلوكية.
يجب احترام ملكية الطفل ووضع الثقة فيه، وتنمية هذه الثقة في نفسه وتشجيعه، وينصح الخبراء الوالدين بضرورة ملاحظة تطورات هذا السلوك على تصرفات الطفل، وبضرورة إرجاع أي شيء أخذه من أحد الأصدقاء.
يساعد اشتراك الطفل في نشاط اجتماعي على تحسن حالته وإقلاعه عن السرقة، ويفيد في خطة العلاج تعليم الطفل معنى الملكية الخاصة منذ الصغر، وذلك بتخصيص دولاب أو درج خاص به يضع فيه أدواته وملابسه ولعبه.

الرقابة والمضاعفات

يتساءل البعض هل يمكن أن يتطور مرض السرقة لدى الأطفال؟ والواقع أن الأمر يعود إلى الوالدين والأهل، لأن هذه المشكلة بالتأكيد تبدأ من البيت حين يقوم الطفل بسرقة أشياء من أشقائه، أو بعض النقود من محفظة أبيه، أو من مصروف البيت من أمه.
يمكن أن يتطور الأمر إلى قيام الطفل بسرقة متعلقات زملائه أو بعض الأموال من بيوت الأقارب أو الأصدقاء، وبالتأكيد سوف يصحب هذا السلوك سلوكات أخرى سيئة، ومنها على سبيل المثال الإنكار والتدخين، وتعاطي المخدرات، ويعتبر أن هذا سببه إهمال الأهل للطفل حتى يصل إلى هذه المرحلة الخطرة.
وينبغي أن يحرص الوالدان من باب الوقاية على مراقبة الطفل وبالذات الأم، وذلك بالاستفسار عن كل شيء جديد تراه في البيت مع الطفل، وكذلك يجب على الأم أن تواصل تعليم الطفل الأمانة منذ الصغر، من خلال المواقف والمناسبات المختلفة التي تمر بها مع طفلها.
ويتعرض الطفل للكثير من المغريات في المدرسة، ويمكن أن يقع في فخ السرقة من زملائه إذا لم تتابعه، ويكون ذلك بجلوس الأم مع الطفل وتعليمه أن أخذ شيء من زميله من المحرمات ويعد سرقة.