صحيفة الخليج

ليلٌ ونهار

تاريخ النشر: 28/04/2018

د. حسن مدن

«اليوميات» مشتقة من مفردة «اليوم»، وينظر إلى اليوميات على أنها وجه من أوجه كتابة السيرة؛ فهي تعطي تفاصيل وجوانب من حياة كاتبها، فكأنه، وهو يكتب يومياته، يكتب جوانب من سيرته.
واليوم هو أربع وعشرون ساعة، تتوزع على الليل والنهار، مناصفة تقريباً، حتى وإن طال الليل في بعض الأحيان وقصر النهار، أو العكس؛ لكن ما إن نقول مفردة اليوم حتى يتوجه فهمنا نحو النهار أكثر مما ينصرف نحو الجزء الثاني من اليوم؛ أي الليل. وبعبارة أشد وضوحاً وتكثيفاً، فإننا حين نقول اليوم نعني النهار فقط، مستثنيين منه الليل، بصرف النظر ما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا.
لعل السبب في ذلك يعود إلى أن أهم وأكثر الأحداث تجري في النهار، لا في الليل، فالأخير قرين الهدوء والسكينة والراحة والكسل، وبالتالي من غير المتوقع، في الغالب الأعم، أن تجري فيه أحداث وتفاصيل كتلك التي تجري في النهار، مع أن التجربة تُظهر أن وقائع فاصلة تبدأ في الليل، لعل بينها ساعات إعلان الحروب أو بدئها؛ لأن الليل، بعتمته وغموضه، يسمح بالمباغتة، وبكتم الأسرار قبل أن تذاع وتشاع.
حتى الطبيعة كثيراً ما تختار الليل لبدء كوارثها، فما أكثر ما صحا الناس على وقع زلازل أو هزات أرضية أو فيضانات، لا تمهلهم حتى للهروب من أسّرتهم وبيوتهم.
لكن ليس الجانب الكارثي هو ما يرتبط بالليل؛ بل إن الأجواء الرومانسية هي في الغالب أجواء مسائية. تراثنا الشعري والغنائي حافل بتمجيد الليل، الذي هو، حسب أغنية شريفة فاضل الشهيرة: «موّال العشاق، وسلاحه الشوق والأشواق»، ومن كلمات محمود أبو الوفاء لحّن وغنى الموسيقار محمد عبدالوهاب «عندما يأتي المساء، ونجوم الليل تُنْثر/ إسألوا لليل عن نجمي، متى نجميَ يظهر»، وللثلاثي الرائع: أحمد رامي، شعراً، رياض السنباطي لحناً، والسيدة أم كلثوم غناءً، ذاعت أغنية: «أقبل الليل» التي يقول مطلعها: «أقبل الليل وناداني حنيني ياحبيبي/ وسرت ذكراك طيفاً هامَ في بحر ظنوني/ ينشر الماضي ظلالاَ كُنا انساَ وجمالا/ فإذا قلبي يشتاقُ إلى عهد شجوني».
وعلى نقيض دعوة أم كلثوم في «ألف ليلة وليلة» للشمس بألّا تأتي إلا بعد سنة: «مش قبل سنة»، فإن السيدة فيروز، وفي شجنٍ جميل، بألحان فيلمون وهبي، رجت الليل أن يغيب ولو لمرة واحدة: «غيب لك شي ليلة يا ليل وانسانا يا ليل»
أيكون غموض الليل وسحره، وراء إصرار رولان بارت على إصدار جانب من يومياته تحت عنوان: «أمسيات باريسية»، متحاشياً مفردة اليوميات؛ لأنه مخصص لتدوين ووصف ما جرى في الليالي تحديداً، أي تلك اللحظات «التي تصل إلى حد المواجهة بين الغُربة والشجن العميق»، حسب وصف إرك مارتي واضع كتاب «رولان بارت: الأدب والحق في الموت»؟.

madanbahrain@gmail.com