صحيفة الخليج

فن الاحتجاج

تاريخ النشر: 23/04/2018

عبد الله السويجي

التظاهرات وسيلة احتجاجية يُرجى من خلالها توصيل صوت مجموعة من الناس أو إعلان موقف تجاه قضية معينة، والمقصود منها أن تكون سلمية منظّمة، يكون التعبير عن الرأي فيها بشكل حضاري من دون تعطيل مصالح الناس أو عمل مؤسسات الدول. وفي الغرب تخرج تظاهرات سلمية تُرفع فيها اللافتات ويسير المحتجون في الشوارع المسموح بها أو على جانبيها بحراسة قوى الأمن أو الشرطة، وتنتهي في المكان المقصود ويعود الناس إلى بيوتهم وأشغالهم.
هذا يحدث في معظم الدول الأوروبية والأمريكية واستراليا وكندا، ونادراً ما تتحول التظاهرات إلى احتجاجات عنيفة. وفي العالم الثالث، يخرج المتظاهرون يصرخون بأعلى أصواتهم وبشكل فوضوي، وسرعان ما تتحوّل التظاهرات إلى صدامات بين المتظاهرين والشرطة، فيسقط ضحايا وجرحى، وتضطر قوى الأمن إلى اعتقال مثيري الشغب ثم تفرج عنهم أو تتحفّظ عليهم لمدد متفاوتة، وحتى نكون منصفين، فإن المتظاهرين لا يتحمّلون أسباب العنف في الحالات جميعها، إذ قد تقدم الشرطة على قمع المتظاهرين لأسباب كثيرة، إما لعدم حصولهم على تراخيص، وإما لإحساسها بأنها قد تهدد الأمن العام، وإما لمجرد القمع وحتى لا تكبر وتشكل خطراً على المؤسسات الحكومية.
ما يُطلق عليه «الربيع العربي» بدأ باحتجاجات شعبية على شكل تظاهرات، سرعان ما تحوّلت إلى صدامات بين المتظاهرين ورجال الأمن، ثم إلى معارك مسلحة، وهذا ما حصل في ليبيا وسوريا على سبيل المثال، إذ اندس المسلحون وسط المتظاهرين وأطلقوا النار على رجال الأمن، فتفجّرت الاشتباكات التي اتضح أنها كانت مدبرة مسبقاً، ولهذا احتل المسلحون مساحات واسعة من سوريا خلال فترة زمنية قليلة، إضافة إلى الانشقاقات في الجيش السوري، وما أطلق على نفسه «الجيش السوري الحر»، الذي يرتمي الآن في أحضان تركيا. وكذلك الأمر في ليبيا، إذ تحوّلت التظاهرات بسرعة البرق إلى اشتباكات مسلحة، وتبيّن أيضاً أن السلاح كان منتشراً بين الناس والمقاتلين الذين قدموا من الخارج.
وحدها تونس نجحت في الاحتجاجات السلمية وأسقطت نظام بن علي، وتحوّلت إلى أنموذج ، تليها التجربة المصرية التي أدّت الاعتصامات والتظاهرات فيها إلى تغيير النظام، لكن مصر دفعت الثمن فيما بعد من خلال انتشار المسلحين والإرهابيين في سيناء، ومن خلال التفجيرات في المؤسسات المدنية والعسكرية، ولا تزال في حرب مع تلك الجماعات الإرهابية التي يغذيها تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي .
ترى، هل تحوّلت التظاهرات السلمية في الوطن العربي إلى اشتباكات مسلحة بفعل التدخل الخارجي، وهو الأمر الذي لا يحدث في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا، أم أن العقلية التي تحكم التظاهر والعقلية التي تتعامل مع المتظاهرين لم تنضج، بحيث لم يصل المتظاهرون إلى مرحلة الاحتجاج السلمي، وبحيث أيضاً لم تصل بعض المؤسسات الرسمية العربية إلى مرحلة تقبّل الصوت الآخر.
في الواقع، نميل إلى التحليل الأخير، أي عدم النضج الفكري والسياسي وعدم التهيؤ من الجانبين للاحتجاج السلمي. ونذكر هنا الاحتجاجات التي اجتاحت العالم الإسلامي حين أصدر الكاتب الإنجليزي سلمان رشدي كتابه آيات شيطانية التي تحوّلت إلى صدامات عنيفة بين المتظاهرين ورجال الأمن وراح ضحيتها عشرات الأرواح البريئة، بينما ظل سلمان رشدي هانئاً في مقر إقامته وتحت حماية حكومية.
وعلى الرغم من اختلاف الواقع والظرف للقضية الفلسطينية، إلا أن الفلسطينيين تمكنوا من تنظيم احتجاجات على مدى الأسابيع الأربعة الأخيرة في «مسيرات العودة»، واستطاعوا فضح العدو «الإسرائيلي» الذي مارس أبشع أشكال البطش ضد المتظاهرين، حيث لجأ إلى القتل العمد بإطلاق جنوده النار على رؤوس وصدور المتظاهرين السلميين، بزعم انتمائهم لحركة حماس والتنظيمات الجهادية، أو بذريعة أن البعض حاول اجتياز الشريط الشائك.
عدا عن قضيتنا الفلسطينية، فان من الأهمية بمكان اللجوء إلى الابتكار في الاحتجاج والتظاهر، ومن المهم تحديد الهدف من وراء أي خروج إلى الشوارع، والتعبير السلمي لتوصيل رأي أو موقف.
كل واحد منا له موقفه ورأيه واعتراضاته على كثير من الأمور، والنضج والوعي بالقضية هو الذي يحكم شكل الاحتجاج ومداه، ونتمنى أن تصل دول العالم الثالث إلى مرحلة التمييز حتى لا تُتهم شعوبها دائماً بالهمجية والعشوائية، وحتى لا يتحوّل المزيد من بقاع العالم العربي إلى خراب.

suwaiji@emirates.net.ae