جريدة الجزيرة

الحفرة والنافذة؟ – كوثر الأربش

ما أسهل الظـَلال. كل ما تحتاجه أن تسقط في الحفرة.

هناك سيبدو لك كل شيء حقيقيًا ويقينيًا وثابتًا. إن الذين يسقطون في تلك الحفرة، ليسوا بحاجة لجواب ما، حول الذات، الكون، المستقبل واللحظة الراهنة. لماذا؟ لأن السؤال غير موجود من الأصل. الحياة سهلة، سهلة جدًا ،تجد نفسك ماضيًا بسرعة نحو غايات معروفة. حين تجوع تأكل، وحين تشعر بالتعب تنام، ثم تنهض لتكرر ما فعلته بالأمس. لست بحاجة للتوقف قليلاً، لتتأمل أو تحلل، لتعيد اكتشاف الأجوبة من جديد. وحدهم من اكتشفوا نافذة في تلك الحفرة العميقة من أدركوا كم الظلام في الأسفل مخيف وموحش.

في عالمنا، الجميع يسقط في تلك الحفرة الباردة والمعتمة، لكن قلة من تفتح لهم نافذة الوعي. إنها نافذة تقلب حياتك.. وتبدأ أسراب الأسئلة بالدخول لرأسك، ولن تعرف للنوم طعمًا بعدها.. سيصبح الكلام من حولك ركيكًا وساذجًا، كما لو كنت تستمع لحوار بين نملتين، عن الغذاء الذي سيجمعونه اليوم، دون أن يتساءلان لماذا هذا الركض المخيف نحو الحياة؟

ستعيد التفكير بكل شيء، بقميصك الذي تلبسه الآن، عن دوافعك اللحظية، عن قراراتك التي تشعر بعد وقت أنها لم تكن رشيدة، عن دماغك كيف يظللك أحيانًا، عن النقص والعوز والحاجة والفقر والجشع والوفاء والبخل.. عن الإنسان والخير والشر. ستعرف وقتها أن الحفرة ليست مكانك، وأن قلبك معلق في تلك النافذة، وأن الزمان والمكان لا يسعانك.

تصبح عالقًا، لا سبيل لأن تفتح نافذة للآخرين، ولا يسعك العودة للجهل، للحفرة. إنه الاغتراب الكبير الذي تدخله وحدك، ولا تعرف طريق العودة بعد ذلك.

قال إبراهيم الكوني: «الغريب يا مولاي ليس من اغترب عن مسقط رأسه، الغريب هو من عجز أن ينال حريته». والطريق للحرية شاق، وطويل. الحرية ليست التخفف من العادات والتقاليد ومعاكسة التيار.. الحرية هي أن تتخلص من الأوهام، أن تعرف نقص الحياة ونقصك. الحرية هي مواجهة الواقع دون تجميل، دون خرافة، دون زيف.

كم يبلغ عددكم أيها الذين اكتشفتم نوافذكم في عمق الحفرة؟ هل يسمعني منكم أحد؟ كيف هي الحياة في كل هذا الضوء المشع؟