صحيفة الخليج

اضطراب السلوك عند الأطفال يؤدي للعنف والسرقة

يستغرق الطفل في العادة فترة من الوقت حتى يتعلم التصرفات الصحيحة، وجميع الصغار يقومون بإساءة التصرف، غير أن هناك فرقاً كبيراً بين اضطراب السلوك وإساءة التصرف، فالأطفال كثيرا لا يطيعون الكبار، ويمكن أن يصابوا بنوبة من الغضب أو العدوانية.
إصابة الطفل بهذه المشكلة لا تدعو إلى كل هذا القلق، طالما أن ذلك في الحدود الطبيعية، إلا أن استمرار نمط السلوك العدواني أو الفوضوي للطفل يشير إلى أنه مصاب باضطراب في السلوك، أو اضطراب سلوكي انفعالي، وهذا الاضطراب هو شكل من السلوك الانفعالي غير الاعتيادي، الذي يحتاج في علاجه للحب والاهتمام والصبر من الوالدين، مع الانتباه إلى أن التعنيف والتأنيب سيؤدي إلى مزيد من اضطراب المصاب.
نتناول في هذا الموضوع مشكلة الاضطراب السلوكي بالتفصيل، والعوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذه المشكلة، ونقدم طرق الوقاية الممكنة مع أساليب العلاج المتبعة والحديثة.

سلوك متكرر وثابت

يعرف الخبراء الاضطراب السلوكي بأنه شكل من أشكال السلوك الانفعالي غير الاعتيادي وغير المقبول اجتماعيا، والذي يبتعد عن ثقافة ومعايير المجتمع ويخرج عن الأعراف والقوانين الاجتماعية.
ويتسم هذا السلوك بأنه نمط متكرر وثابت، ويضع الخبراء شرطا لاعتبار الطفل مصاباً بهذا الاضطراب، وهو استمرار الأعراض مدة 6 أشهر، وفي العادة فإن الطفل أو المراهق المصاب باضطراب السلوك يجد صعوبة شديدة في الالتزام بالقواعد والتصرف بصورة منضبطة ومتقبلة اجتماعيا، وهو ما يجعل البالغين والأطفال الأسوياء ينظرون إلى تصرفاته نظرة سيئة.
يتعرض الطفل نتيجة للاضطرابات السلوكية التي يعاني منها لصعوبات ومشاكل في حياته، منها عدم قدرته على إقامة علاقة صداقة، وتوتر علاقاته العائلية، وكذلك اضطراب العلاقة مع معلميه، وهو ما يلقي بظلاله على مستواه الدراسي ومدى تحصيله.
ويعاني هذا الطفل من مشاكل نفسية مثل القلق والاكتئاب وسرعة الغضب والغيرة الزائدة والحساسية، ونتيجة أيضا لهذا الاضطراب يعاني من زيادة النشاط والحركة والتهور والعدوان على الذات وعلى الآخرين، وفي بعض الحالات يمكن أن يصاب بالجنوح فيكذب أو يسرق.

علامات تحذيرية

يتمثل الاضطراب السلوكي لدى الطفل في السلوك المؤذي، وهناك علامات تحذيرية تشير إلى أن الطفل يتجه إلى هذا الاضطراب أو أنه مصاب به بالفعل، ومن هذه العلامات يقوم الطفل بتخريب وتدمير الممتلكات.
ويقوم بإيذاء نفسه أو الآخرين أو الحيوانات الأليفة أو على الأقل التهديد بالإيذاء، والعداء تجاه ما يرمز للسلطة، ويمكن أن تصيبه نوبات من الغضب أو المجادلة، وفي بعض الحالات يكون لدى الطفل أو المراهق نشاط زائد ومبكر.
يمكن أن يتجه الطفل المصاب في سن مبكرة للتدخين أو تعاطي المخدرات والمواد الكحولية، كما أن من العلامات البارزة الكذب والسرقة، والتأخر في التحصيل الدراسي وعدم الالتزام بالمدرسة.

مستويات المشكلة

يتم تصنيف مشكلة الاضطراب السلوكي الانفعالي حسب شدته إلى 3 مستويات، الأول اضطراب بدرجة خفيفة وفيها توجد مشاكل سلوكية بسيطة، وتسبب أذى بسيطا للآخرين، والثاني اضطراب بدرجة متوسطة، وفيها تتراوح المشكلات السلوكية بين شديدة وخفيفة، أما الثالث فهو اضطراب بدرجة شديدة، وفيه تكون المشاكل كثيرة وتسبب أذى كثيرا للآخرين، كالانتهاكات الشديدة للقوانين والغياب عن البيت فترات طويلة وإصابات شديدة للضحايا.
ويتم تقسيم الاضطراب السلوكي وفق العمر الذي ظهرت فيه الأعراض لأول مرة، وهي 3 أنواع رئيسية لهذه الحالة، الأولى في مرحلة الطفولة حيث تظهر العلامات قبل العاشرة، والثانية مع بداية مرحلة المراهقة وتحدث بعد الثانية عشرة، والثالثة غير محددة البداية حيث تحدث الأعراض في أي وقت.

عوامل عديدة

يشير الخبراء إلى أن هناك عدة أسباب وراء إصابة الطفل باضطراب السلوك، ومن هذه الأسباب عوامل تخص الوالدين، حيث يحدد الوالدان صفات وسلوكات الأبناء سواء بقصد أو بدون قصد، فالبيئة المضطربة أو الأسرة التي تختلط فيها قيم الثواب والعقاب والخطأ والصواب تكون بيئة خصبة لإصابة الطفل بالاضطراب.
يعاني الطفل بسبب إصابة أحد الوالدين بالمرض النفسي أو اضطراب الشخصية أو الإدمان من الإهمال، أو الانتهاك النفسي أو الجسدي أو الجنسي، ويضع انفصال الأبوين الفعلي أو المجازي الطفل في صراع بين الرغبات المتناقضة لهما، وبالتالي فهو يعبر عن الإحباطات والغضب الشديد بالسلوك المضطرب.
يصبح الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالاضطراب السلوكي نتيجة النشأة في بيئات محرومة من الاحتياجات الأساسية والملأى بالسلوكات المضطربة كالعدوان وتعاطي المخدرات.
تلعب العوامل النفسية دورا في الإصابة، كأن تكون علاقة الأم بالطفل مضطربة بسبب قسوتها، أو عدم قدرتها على إشباع حاجاته البيولوجية والنفسية، أو أن شخصية الأم مسيطرة أو الأب غائب نتيجة السفر أو العمل لمدد طويلة، ولذلك لكي ينمو الطفل بشكل صحي يجب أن يكون أمامه نموذج للرجل السوي ممثلاً في الأب، وغياب هذا النموذج يجعل الطفل عرضة أكثر للإصابة بالاضطراب.
يلجأ الطفل للسلوكات العدوانية نتيجة إحساسه بالفشل وعدم القدرة على تحقيق آماله وأحلامه، وذلك بسبب صعوبات في نفسه مثل ضعف إمكانياته وملكاته الجسدية، أو أن الأسرة لا تسمح له بالتعبير عن نفسه.
يكون الأطفال أقرب للإصابة بالاضطراب السلوكي نتيجة التعرض للإيذاء الجسدي أو الجنسي، وخاصة عند فقد الطفل للقدرة على التعبير اللفظي عن معاناته، وبالتالي يلجأ للتعبير عن غضبه بالعنف الجسدي.
يمكن أن يرث الطفل اضطراب السلوك من أحد والديه، أو يكون بسبب شذوذ في الجينات، أو اضطراب في وظائف المخ لإصابة أو التهاب في الناقلات العصبية.

العدواني والمخرب

يصعب السيطرة على الأطفال الذين يعانون من الاضطراب السلوكي الانفعالي، حيث إنهم لا يرغبون في اتباع القواعد، ويتصرفون بشكل متهور دون أن ينظروا إلى عواقب أفعالهم، وكذلك لا يضعون في اعتبارهم مشاعر الآخرين.
ويعتبر أن الطفل يعاني من هذا الاضطراب في حال ظهور سلوك أو أكثر من 4 سلوكات لمدة 6 أشهر، وهذه السلوكات هي العدواني والمخادع والمخرب وانتهاك القواعد، ويشمل كل سلوك من هذه السلوكات عددا من الأعراض.
يشمل السلوك العدواني إيذاء الناس أو الحيوانات عن قصد، وتخويف الآخرين، واستخدام الأسلحة، ويشمل السلوك المخادع الكذب والسرقة والتزوير، ويشمل السلوك المخرب تخريب وتدمير الممتلكات والحرق والتكسير.
ويشمل انتهاك القواعد الغياب عن المدرسة والهروب من المنزل وتعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية، ويكون الذكور أكثر ارتكابا للسلوك العدواني والمخرب، في حين أن الفتيات يكن أكثر ارتكابا للسلوك المخادع وانتهاك القواعد.
تتراوح الأعراض بين الخفيفة والمعتدلة والحادة، فالأعراض الخفيفة تشمل الكذب والغياب عن المدرسة والبقاء خارج المنزل لوقت متأخر دون إذن من الوالدين، والأعراض المعتدلة يمكن أن تشمل التخريب والسرقة، والأعراض الشديدة تشمل إيذاء الآخرين واستخدام الأسلحة والاغتصاب.

عدد من الخطوات

يبدأ علاج حالات الاضطراب السلوكي الانفعالي من خلال عدد من الخطوات، ومن هذه الطرق تعليم الآباء وإرشادهم إلى الأساليب التربوية الصحيحة وكيف يواجهون مشكلات أطفالهم المضطربين النفسية.
يأخذ العلاج النفسي الفردي للطفل مسارا سلوكيا، حيث يتم وضع الطفل في بيئة علاجية تدعم الجوانب الإيجابية، بنظام التشجيع المعنوي والمكافآت، وتضعف الجوانب السلبية بنظام الحرمان من بعض المزايا أو العقوبات العلاجية.
ويمكن أن يأخذ مسارا معرفيا من خلال تصحيح الأفكار والتصورات الخاطئة، التي يبني عليها الطفل السلوكات المضطربة لديه، ويمكن أن يأخذ مسارا تدريبيا على المهارات الاجتماعية الصحيحة التي يحتاجها الطفل للتعامل بشكل صحي مع بيئته.
يمكن أن تدخل الأسرة كلها في العلاج فيما يسمى بالعلاج الأسري، وذلك لأن اضطراب سلوك الطفل هو انعكاس للاضطراب الموجود في الأسرة كلها، وبالتالي فإن إصلاح هذا الاضطراب يصب في صالح الطفل، ويتم هذا من خلال جلسات متعددة للعلاج الأسري يقوم بها إخصائي في العلاج الأسري.
يتم علاج الطفل المصاب من خلال العلاج النفسي الجمعي بوضع الطفل وسط مجموعة من الأطفال، أو للأبوين مع آخرين لديهم نفس المشكلات مع أبنائهم، ويستخدم هذا العلاج آليات وتقنيات كثيرة للتغيير، من خلال ضغط المجموعة لتغيير السلوكات المرضية.
ويتم في العلاج المؤسسي انتزاع الطفل من بيئته المضطربة، ووضعه في بيئة علاجية بعض الوقت من اليوم، حيث يتاح للطفل أن يتعلم مهارات اجتماعية وحياتية صحيحة.
يمكن أن تفيد العقاقير في تغيير السلوكات المضطربة لدى الطفل، وذلك للسيطرة على الأعراض المزعجة مثل كثرة الحركة والاندفاع والعنف، كما أن هناك نسبة من المصابين بالاضطراب السلوكي يعانون من حالات اكتئاب أو قلق، وهو ما يجعل الطفل يعبر عن هذا في صورة اضطرابات سلوكية، ولذلك تفيد مضادات الاكتئاب والقلق في علاج مثل هذه الحالات.
وتستخدم مضادات الذهان في علاج السلوك العدواني، كما تستخدم مضادات القلق في علاج القلق وما يصاحبه من اضطرابات سلوكية.

السلوكيات السيئة والانتباه

تشير الإحصائيات إلى أن نسبة انتشار الاضطراب السلوكي الانفعالي، تتفاوت بين الذكور والإناث، فتبلغ نسبة الإصابة لدى الذكور بين 6% و 16%، في حين أن الفتيات تبلغ النسبة لديهن بين 2%و 9% وهذا تحت سن 18 عاما.
وتشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين يولدون لآباء مصابين باضطراب الشخصية المعادي للمجتمع أو المدمنين، تزيد لديهم نسبة الإصابة بهذا الاضطراب، وكذلك ترتفع النسبة في المجتمعات المزدحمة والفقيرة.
وأكدت دراسة طبية أن إهمال الوالدين للسلوكيات الإيجابية للطفل مع الاهتمام بالسلوكيات السلبية، يمكن أن يلعب دورا في إصابة الطفل بهذا الاضطراب، حيث إن الطفل يعلم أنه يجذب انتباه والديه بالسلوكيات السلبية، مع مراعاة أن أغلب الأطفال يحتاجون إلى لفت الانتباه من قبل الوالدين، لذلك فإن الطفل يمكن أن يفعل أي شيء لجذب الانتباه له حتى، وإن كان بخرق القوانين أو التصرف بسلوك سيئ، ويفضل الطفل أن يكون غاضبا بدلا من أن يهمل، ومع الوقت يدخل في حلقة مفرغة.