صحيفة الخليج

فقدان الذاكرة النفسي يسبب نسيان الشخص اسمه

يتعرض الشخص في حياته العملية والشخصية لكثير من المواقف التي يتصف بعضها بالعنف والقوة، كأن يتعرض لخيانة من أحد المقربين أو تفوته ترقية في مجال عمله أو يتعرض لظلم شديد في مهنته، أو يتأثر بحادث سطو، أو حادث بالسيارة ينتج عنه قتلى، أو كارثة طبيعية أو حرب.
يمكن أن يتعرض لهذه المواقف الكثيرون ويتأثرون بها بصورة طبيعية، غير أن هناك آخرين تتجاوز درجة تأثرهم إلى حالة من فقدان الذاكرة، نتيجة عمق تأثير هذه المواقف بداخلهم.
ويطلق على هذه الحالة فقدان الذاكرة نفسي المنشأ، أو فقدان الذاكرة التفارقي أو الفصامي، وهي حالة من الاضطراب النفسي تؤثر في الذاكرة، وبالتالي تجعل المصاب لا يتذكر أي معلومات شخصية، وذلك خلال فترة زمنية محددة، وتتراوح بين عدة ساعات وحتى أعوام.
ونتناول في هذا الموضوع تفاصيل فقدان الذاكرة النفسي بالتفاصيل والمسببات التي تؤدي إلى الإصابة به، والأعراض التي تظهر على الشخص المريض، مع طرح طرق وأساليب الوقاية والعلاج الممكنة والحديثة.
المعلومات الشخصية
يصنف أطباء وعلماء الطب النفسي فقدان الذاكرة النفسي على أنه اضطراب فصامي، وذلك لأن المصاب بهذه الحالة لا يستطيع أن يتذكر أي معلومات شخصية عن نفسه.
يعاني كذلك الشخص المريض بهذه الحالة من نقصان الوعي والمعرفة الذاتية، وعلى سبيل المثال فإن المصاب بفقدان الذاكرة النفسي يصاب بحالات من الشرود الذهني، وهو ما يؤدي إلى قلة الوعي المعرفي للمعلومات الشخصية، مثل الاسم والعمر والسكن والوظيفة.
تصاحب هذه الحالات فترة توهان وتعجب المصاب من المحيطين، ويتساءل من يكون هؤلاء؟.
ويتميز فقدان الذاكرة النفسي بأنه لا يوجد تلف أو تدمير في المخ أو الدماغ، وكذلك لا أثر لآفة واضحة في المخ، ويمكن أن يكون وراء الإصابة بهذا الاضطراب بعض أشكال من التوتر والإجهاد النفسي، وعامة فإن هذا الاضطراب يثير الكثير من الجدل.
الصداع النصفي
يحدث فقدان الذاكرة النفسي بسبب عدد من الأسباب، منها أسباب عصبية عندما يصاب المريض بتلف في الأعصاب أو المخ، وهو ما يؤدي إلى فقدان الذاكرة العضوي، وبمرور الوقت يؤدي إلى الإصابة بفقدان الذاكرة النفسي.
يؤدي كذلك إلى هذا الاضطراب الإصابة بصداع نصفي مزمن، والذي يؤثر على الدماغ مؤديا للإصابة بفقدان الذاكرة النفسي، ويمكن أن يكون وراء الإصابة المعاناة من مرض نفسي ذي تأثير عصبي، مثل إصابة سابقة بالصرع أو التشنجات الدماغية العصبية.
يتعرض البعض لمواقف نفسية قوية مثل الغضب الشديد والتوتر المفرط، أو بسبب التعرض لحادث سيارة أو جريمة قتل، ولشدة التأثر بهذه المواقف يصاب الشخص بفقدان الذاكرة النفسي.
ويمكن أن يؤدي إليه أيضا الإصابة بالسكتات الدماغية، أو نتيجة إدمان الكحوليات، أو الإصابة بأورام في المخ، وبخاصة في المنطقة المتعلقة بالذاكرة.
أنماط ثلاثة
يختلف فقدان الذاكرة النفسي عن فقدان الذاكرة العضوي، حيث تكون عودة الذكريات في النوع الثاني نادرة، وتعود بشكل تدريجي وبطيء، ويصاب الشخص نتيجة لهذه الحالة بالضيق.
في حين أن حالات فقدان الذاكرة التفارقي تكون قصيرة المدة، وفي الغالب تعود الذكريات بشكل مفاجئ وكامل، ومن تلقاء نفسها، ويعود ذلك إلى التعرض لأشياء معينة في العلاج أو المحيط، وبالنسبة لحالة المصاب فإنه يكون غير مبالٍ بفقدان الذاكرة ولا يصاب بالضيق.
يمتاز فقدان الذاكرة التفارقي عامة بـ3 أنماط، الأول المحدد، وفيه يؤثر فقدان الذاكرة على مناطق محددة من المعرفة أو أجزاء من حياة المصاب، كأن ينسى فترة من فترات الطفولة، أو أمرا متعلقا بزميل في العمل أو صديق.
يؤثر في الغالب فقدان الذاكرة في حادثة بعينها، مثل أن يتعرض الشخص لمحاولة سرقة، فيمكن أن ينسى هذه الواقعة بينما يتذكر أحداث اليوم كلها.
يؤثر النمط الثاني، وهو العام، على أجزاء كبيرة من حياة الشخص أو هويته، مثل عدم استطاعة المصاب تذكر اسمه أو وظيفته أو عائلته وأصدقائه.
ويحدث في النمط الثالث، وهو نمط الشرود، مسببا حالة من الشرود التفككي، وهو ما يجعل لدى الشخص فقدان ذاكرة عاما، بل إن الأمر يصل به إلى تبني هوية جديدة، على سبيل المثال يصدم المصاب بسيارته شخصا ويظن أنه تسبب في موته، وبسبب هذه الصدمة يهيم على وجهه دون هدف ما، ويمكن أن يذهب إلى مدينة أخرى، ويعمل في عمل بعيد عن تخصصه وباسم آخر.
الرنين والتخطيط الدماغي
يعتمد تشخيص اضطراب فقدان الذاكرة النفسي على عدد من الإجراءات والوسائل، ومن هذه الوسائل التخطيط الدماغي، حيث يساعد الطبيب في معرفة أماكن الإصابات في الدماغ، وكذلك قياس أداء الدماغ بكفاءة.
ويتم استخدام الرنين المغناطيسي من أجل الحصول على صور محددة للجهاز العصبي، وأيضا لتحديد أي الأسباب العضوية يمكن أن تكون أدت إلى أن يفقد المريض الذاكرة.
يوجه الطبيب المعالج عددا من الأسئلة إلى المريض، وذلك بهدف تقييم الحالة النفسية له، ومن أمثلة هذه الأسئلة اسمه واللون المحبب له، كما يلجأ الطبيب النفسي إلى متابعة السياق الواقعي والعائلي الذي يحيط بالمريض، وذلك بهدف التأكد من توافق السياق مع الأسباب المؤدية إلى الإصابة بفقدان الذاكرة النفسي.
العضوي والنفسي
يهدف علاج فقدان الذاكرة النفسي إلى التأكد من أن المريض والمحيطين به آمنون، وكذلك ربط الشخص بذكرياته المفقودة، كما يهدف العلاج إلى أن يساعد المصاب في التعامل الآمن مع الأحداث المؤلمة، وتطوير سبل التعايش مع هذه الأحداث، والعودة إلى أنشطته اليومية المعتادة، وتحسين علاقته الشخصية.
يبدأ برنامج العلاج بالتمييز بين فقدان الذاكرة العضوي والتفارقي، حيث يتأكد الطبيب من الأسباب التي أدت إلى الإصابة بالمرض، وفي الغالب فإن محاولات العلاج تدور حول اكتشاف أسباب الصدمة وراء الإصابة بهذا الاضطراب.
ويجب أن يتم استخدام العلاج الدوائي بالتزامن مع التأهيل النفسي، وبخاصة عند المرضى بالمراحل المتقدمة.
ويتم التعامل مع المصابين بفقدان الذاكرة النفسي في المراحل الأولى بطريقة مختلفة، فيتم تأهيلهم نفسيا أولا ثم يلي ذلك استخدام العلاج الدوائي كأسلوب مساعد، وعلاج الإصابة بفقدان الذاكرة النفسي بسبب وجود ضرر مادي في المخ يكون صعبا، وفي بعض الحالات لا يشفى المريض منه.
مجموعات الدعم
يمكن استخدام طريقة العلاج الجمعي، والذي يعتمد على مجموعات الدعم، حيث يقوم الطبيب النفسي بتجميع عدد من المصابين باضطراب فقدان الذاكرة التفارقي وتقديم جلسات علاج جماعي، ومن شأن هذه الجلسات أن تيسر عملية استرجاع الوعي والخروج من أعراض الانشقاق بصورة كاملة.
يحدث في معظم حالات فقدان الذاكرة التفارقي أن يستعيد المريض ذاكرته في النهاية، ويكون ذلك في بعض الأحيان بشكل بطيء، وفي أحيان أخرى بشكل مفاجئ، وهناك حالات لا يستطيع المصابون استعادة ذاكرتهم على الإطلاق.
ويعتمد التقدم في العلاج والاستجابة له على الظروف المحيطة بالمصاب، وكذلك على الدعم الذي يحصل عليه من العائلة والأصدقاء والبيئة الموجود بها المصاب.
الموسيقى والفن
يساعد العلاج الأسري في تدريب أفراد المنزل على معرفة هل الأعراض عادت مجددا أم لا؟، وهناك بعض العلاجات المبتكرة من خلال العلاج بالفن والموسيقى، وتساعد هذه العلاجات المصاب في اكتشاف أفكاره ومشاعره في بيئة مبتكرة، وفي أمان تام.
يعد فقدان الذاكرة من الاضطرابات النفسية التي يستطيع المصاب بها أن يتعايش معها، وذلك بالرغم من عدم تذكر المعلومات الشخصية الخاصة به، إلا أن التأقلم مع هذا الاضطراب ممكن مع توافر الأدوية والمهدئات والعلاج النفسي التأهيلي.
يعتبر إيداع المصاب مصــحــــة نفسية في بعض الحالات أمرا ضروريا، وذلك إذا كان المصاب قد تعرض للاضطراب بسبب حادثة عنف أسري، لأن بقاءه في نفس البيئة لن يجعل للعلاج أي نفع.
يجب على الأسرة في المراحل الأولى من المرض أن تحتوي المريض وتبث فيه الطمأنينة، وذلك بأن الأمور كلها ستصير على خير ما يرام، والتعويل في علاج اضطراب فقدان الذاكرة النفسي في المقام الأول على البيئة الاجتماعية والنفسية التي تحيط بالمريض، حيث يجب أن تخلو من الصراعات والصدمات النفسية.

صدمة عصبية
تشير الإحصائيات والأبحاث الطبية إلى أن فقدان الذاكرة النفسي من الاضطرابات قليلة الحدوث، وبحسب هذه الإحصائيات فإن هذا الاضطراب يمكن أن يصيب حوالي 1% من الرجال في مقابل 2.5% من النساء.
وتؤكد الأبحاث أن البيئة عليها دور كبير في اختلاف النسبة بعد حدوث كوارث طبيعية وأثناء الحروب على سبيل المثال.
وبينت دراسة حديثة أخرى أن فقدان الذاكرة النفسي يعود إلى تعرض المصاب لصدمة نفسية، سواء كانت ضائقة مالية أو ديوناً متراكمة أو خلافات في العمل، أما الصدمة العصبية فتكون بسبب حادثة كبيرة مثل وفاة شخص عزيز.
وأوضحت الدراسات أن فقدان الذاكرة يكون نتيجة اضطراب في قشرة المخ الأمامية، وهذا الاضطراب يؤدي إلى إغلاق بعض خلايا الذاكرة.