صحيفة الخليج

التهاب العصب الخامس.. ألم «الصدمة الكهربية»

يتحكم الدماغ في أعضاء الجسد من خلال الأعصاب، التي تنقل الإشارات منه إلى بقية الجسم والعكس، وتتجمع معظم الأعصاب في النخاع الشوكي، ولذلك تسمى بالأعصاب الشوكية، أما الأعصاب التي تنقل الإشارات داخل الرأس والعنق فتسمى الأعصاب القحفية، ومنشأ هذه الأعصاب الدماغ، وهي 12 زوجا تعرف بالأسماء والأرقام.

يعتبر العصب الخامس أو ثلاثي التوائم من أهم هذه الأعصاب، وسمي بهذا الاسم، لأنه يتفرع منه 3 تفريعات، الأول تفرع عيني وهو الذي يغذي جلد الجفن العلوي وجانب من الأنف إضافة إلى الجبهة، والثاني تفرع فكي علوي ويحمل النبضات الحسية من الغشاء المخاطي الأنفي، والجلد الذي يغطي الخد وجزء من الجبهة، بالإضافة إلى الأسنان العلوية والشفاه.
ويحمل التفرع الثالث وهو الفكي السفلي النبضات الحسية من جانبي الرأس والذقن والغشاء المخاطي للفم والأسنان السفلية والثلثين الأماميين للسان، وتعتبر الألياف الحركية جزءا من تفرع الفك السفلي، وهذه الألياف مسؤولة عن العضلات المتعلقة بالمضغ، ويقع العصب الخامس على جانبي الوجه.
يصاب العصب الخامس ببعض المشاكل، ما يؤدي إلى حدوث ألم رهيب للشخص المصاب، ونتناول في هذا الموضوع الاضطرابات التي تصيب العصب الخامس بالتفاصيل، وطرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة، بالإضافة إلى متى يتم اللجوء إلى العمليات الجراحية، للتخلص من مشاكل هذا العصب المرهق.
أسوأ آلام
تعد آلام العصب الخامس هي الأسوأ في شدتها، وذلك بحسب شهادات الأشخاص المصابين به، ويميز هذه الآلام حدوثها على هيئة نوبات تصيب الوجه، وتستمر ثواني معدودة في كل مرة، وتشبه الصعقة الكهربية.
ويمكن أن تمر فترات طويلة على المريض دون حدوث هذه النوبات، وفي المقابل يمكن أن يصاب بها على فترات متقاربة، وتخضع هذه النوبات للعديد من المثيرات والمحفزات، مثل الهواء البارد أو تنظيف الأسنان أو حتى تناول الطعام.
يكون في العادة ألم العصب الخامس في الفترة العمرية بين العقدين الرابع والخامس، والنساء عرضة للإصابة بهذه المشكلة أكثر من الرجال، ويفقد المريض بسبب نوبات الألم التي تصيبه القدرة على القيام بأبسط أموره الطبيعية.
وعاء دموي ضاغط
يتوفر عدد من العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بمرض ألم العصب الخامس، ومن هذه المسببات وجود وعاء دموي يضغط على العصب،ما يؤدي إلى إطالة الومضات الكهربائية فيه، وبالتالي إعادة تهيج العصب، وهو ما يسبب ألماً للمريض، ويعتبر من أكثر أسباب الإصابة بهذا الالتهاب شيوعا.
ويمكن أن يكون السبب إصابة العصب بفيروسات وبالذات فيروس القوباء البسيطة، وهناك نسبة قليلة تكون الآلام نتيجة لأمراض أخرى مثل أورام قاع المخ وجذع المخ والمخيخ، أو مرض الالتهاب التصلبي المنتشر بالجهاز العصبي.
تدخل ضمن أسباب الإصابة أيضا بهذه المشكلة القلق والإجهاد ونوبات الحزن الشديد، وكذلك حدوث إصابة في مسار العصب أثناء إجراء جراحة في الوجه أو الرأس، أو عند التعرض لإصابة أو ضربة في منطقة الوجه، أو حدوث جلطة دماغية في موقع مؤثر في العصب الخامس.
نوبات ألم شديدة
يصاب المريض في العادة بألم مفاجئ دون سابق إنذار، ويفسر بعض المصابين الألم على أنه خراج أو التهاب في الأسنان، وتشمل الأعراض نوبات من الألم يمكن أن تكون حادة وشديدة، وتستمر من ثوان إلى دقائق، حيث إن المصاب يشعر بالألم عند تحريكه الفك، وبخاصة وهو يمضغ الطعام.
يبدأ الألم من أمام الأذن ويصعد في منطقة الصدغ وأسفل الرأس ثم يصل إلى زاوية الفم، ويشبه المصاب نوبات الألم بالصعقة الكهربائية أو الطعن على طول الجزء المصاب من العصب، وتأتي النوبة للشخص المصاب عدة مرات في اليوم أو الأسبوع، ثم تتوقف فترة، ومع الوقت تزداد مرات حدوث نوبات الألم وتكرارها، وتكون على فترات أقصر وكذلك حدته.
يؤثر الألم في العادة على جانب واحد فقط من الوجه، وينتشر في الوجنتين والفكين والأسنان والشفاة واللثة، وفي الغالب فإن التفرع المصاب يكون تفرع أحد الفكين العلوي أو السفلي، وفي بعض الحالات القليلة يمكن أن يشعر المريض بألم في الجبهة.
وتعد هذه النوبات معطلة للتصرفات التلقائية في الوجه مثل الكلام والتبسم، وهذا يؤدي إلى توقف المصاب عن واجبات يومية طبيعية مثل غسل الوجه والأكل والمضغ وتنظيف الأسنان.
محفزات الألم
يمكن أن تؤدي بعض الأمور التي يقوم بها المصاب بألم العصب الخامس إلى تحفيز وإثارة هذا العصب بشدة، لتحدث نوبة من الألم، وهي أمور عادية وطبيعية، وذلك على الرغم من أنه لا يحتاج في أكثر الأحول إلى أي محفز، ومن هذه الأمور نسمة هواء خفيفة يتعرض لها الوجه، تأتي من الجو أو عن طريق جهاز التكييف، وأيضا غسل الوجه أو حتى مجرد لمسه، أو صدمة بسيطة في الوجه.
يمكن أيضا أن تتسبب حلاقة الذقن وإزالة شعر الوجه في إثارة العصب الخامس، وحدوث نوبة ألم، وكذلك وضع المرأة للمكياج، أو حتى المضغ أثناء تناول الطعام أو تنظيف الأسنان بالفرشاة، وكذلك مجرد التبسم أو التقبيل أو البلع، ويمكن أن يحفز الألم تحريك الرأس أو التعرض للرج بفعل قيادة السيارة أو المشي.
استشارة طبية
يجب الحصول على استشارة طبية عند تكرار ألم الوجه واستمراره، وخاصة في حال عدم جدوى المسكنات المعروفة، حيث يقوم الطبيب المعالج بفحص المريض عن طريق الأعراض التي يعانيها والتاريخ المرضي له، إضافة إلى الفحص السريري من خلال معرفة الأداء الوظيفي في المنطقة التي يغذيها العصب الخامس، وذلك حتى يعرف التفرع المصاب.
يستبعد الطبيب أي مسببات أخرى يمكن أن تسبب آلاما مشابهة، مثل التهابات الأوعية الدموية وآلام الأسنان والهربس العصبي والأورام السرطانية، ومن المهم إجراء أشعة الرنين المغناطيسي للرأس وعامة، فإن تشخيص ألم العصب الخامس يكون صعبا، ويمكن أن يستغرق المريض سنين حتى يتأكد من التشخيص السليم للحالة.
دوائي وجراحي
يختلف علاج العصب الخامس بحسب السبب وراء الألم، فإذا كان نتيجة الإصابة بمرض التصلب اللويحي، فيجب المتابعة مع طبيب الأعصاب لعلاج المرض، وإن كان الألم ناتجا عن وجود ورم فيجب استئصاله.
ويتم العلاج باستخدام الأدوية إذا كان الألم بسبب مرض العصب الخامس، والهدف منها هو تقليل الألم، أو قطع طريق إشارات الألم إلى الدماغ، ومن أهم الأدوية التي يصفها الطبيب الأدوية المضادة للاختلاج، والتي تستعمل في علاج مرض الصرع، ولابد من تناول الدواء عدة مرات في اليوم، وذلك حتى يكون فعالا بدرجة كافية.
تزيد الجرعة تدريجيا على مدى بضعة أيام أو أسابيع، وذلك حتى تتراكم مستويات مرتفعة من الدواء في الدم، ويستمر المريض في تناول الدواء مادام الأمر ضروريا، وفي أحيان كثيرة يستمر لعدة سنوات للحصول على نتيجة مرضية.
ويلاحظ أنه عند دخول المريض فترة هدوء وغياب للألم، يجب أن يوقف الدواء بشكل تدريجي خلال أيام أو أسابيع، ولهذه الأدوية آثار جانبية مثل الدوخة والشعور بالغثيان.
تفيد كذلك الأدوية المرخية للعضلات، ويمكن استخدام حقن البوتوكس، وإن كان هذا العلاج يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتأكيد على عدم وجود آثار جانبية، وكذلك مدى فاعليته في هذه الحالة.
يبقي خيار التدخل الجراحي مطروحا في حال لم تنجح الأدوية السابقة في تقليل آلام المريض، وتهدف الجراحة إلى تخفيف الضغط الناجم عن الأوعية الدموية على عقدة العصب أو وضع وسادة في المخيخ، وهناك العلاج بتسكين أشعة جاما، وتقوم فكرة هذا العلاج على تحديد موضع خروج العصب الخامس ثم يعالج بالأشعة، لكن الأثر الجانبي لهذا العلاج يتمثل في أن يفقد المريض الإحساس بوجهه.

التفكير فى الانتحار
أشارت دراسة علمية حديثة أجريت على عدد من المرضى، إلى أن الألم الناتج عن الإصابة بمشكلة العصب الخامس التي يشعر بها هؤلاء، يمكن أن تدفع بعض المصابين إلى التفكير في الانتحار، وذك بسبب شدة هذه الآلام واستمرارها.
وكانت إحصائية أشارت إلى أن ألم العصب الخامس يصاب به سنويا حوالي 13 شخصا من كل 100 ألف، وأغلب الحالات هي من المسنين، وتبلغ نسبة ألم العصب الخامس بالنسبة لمرضى التصلب المتعدد حوالي 1%.
وينصح الأطباء مرضى العصب الخامس بتجنب محفزات الألم مثل الهواء البارد أو اللمس، وعدم غسل المنطقة المصابة مطلقا.
ويعتبر من الأخطاء الشائعة خلع الأسنان كلها أو قسم منها، وتركيب أخرى صناعية، ليتخلص المريض من الآلام التي يعانيها، فالأبحاث أثبتت أنه لا صحة على الإطلاق لهذا الأمر.
دواء مرخص من قبل لوقف ورم العصب السمعي
استخدم باحثون من خلال الدراسة التي نشرت مؤخراً بمجلة «التقارير العلمية» دواء مرخصاً من قبل للإجهاض الدوائي البديل لعمليات الكحت، وذلك للوقاية من نمو خلايا ورم العصب السمعي أو ما يعرف بالورم الشفاني الدهليزي، لتجنب الجراحة أو العلاج الإشعاعي.
تتسبب تلك الحالة للمريض في فقدان السمع والطنين، وهي تنشأ من خلايا شوان بالعصب الدهليزي الذي يحافظ على التوازن وقد ينمو الورم بدرجة تؤثر في البنية المحيطة بها وربما تهدد الحياة بسبب ضغطه على جذع الدماغ وعندما يضغط الورم على الأعصاب بالقناة السمعية الداخلية ينتج عن ذلك الشعور بالدوار مع شلل أعصاب الوجه وفقدان السمع.
وبالرغم من أن الورم الشفاني المؤثر في كلا الجانبين يعتبر علامة على الورم العصبي الليفي النوع2 اضطراب جيني يسبب نمو الأورام بأكثر من جانب على مر الوقت- فإنه يمكن أن يحدث متقطعاً أو على جانب واحد فقط؛ ويمكن أن يخضع المريض للعلاج الإشعاعي أو للجراحة لاستئصال الورم عن طريق فتح الجمجمة إلا أن لكل منهما مخاطر كبيرة.
درس العلماء 80 عينة ورم من مرضى يعانون المرض المتقطع أو المرتبط بالعصب الليفي النوع2، ومن خلال مراجعة أكثر من 1000 دواء من الأدوية المرخصة لحالات أخرى توصلوا إلى أن الدواء المستخدم للإجهاض فعال في تقليص معدل تكاثر خلايا الورم الشفاني الدهليزي بنسبة 80%.
يقول الباحثون إنهم متفائلون بأن الدواء سوف يفيد المرضى الذين هم بحاجة لحل تلك المشكلة الصحية المزعجة ومن الجيد أنه دواء آمن نسبياً لذلك يمكن استخدامه لأغراض أخرى مثل هذه الحالة.