جريدة الرياض

ليندا حسين: الترجمة إعادة اضطرارية لمأزق تمر به الشخصيات

تحدثت الكاتبة السورية ليندا حسين في هذا الحوار عن رواية الروائي النمساوي روبرت زيتالر التي قامت بترجمتها عن الألمانية مؤخرا وقامت بنشرها دار التنوير, وهي تجربة تعد هي الأولى لها في الترجمة بعد أن صدر لها مجموعة قصصية من قبل.

تحدثت الكاتبة السورية ليندا حسين في هذا الحوار عن رواية الروائي النمساوي روبرت زيتالر التي قامت بترجمتها عن الألمانية مؤخرا وقامت بنشرها دار التنوير, وهي تجربة تعد هي الأولى لها في الترجمة بعد أن صدر لها مجموعة قصصية من قبل.

  • في أول تجربة لك في عالم الترجمة كيف وجدت التجربة؟

بكل الأحوال أنا سعيدة لإنجاز هذه الخطوة أخيراً. منحتني الترجمة تجربة أجمل من توقعاتي. لكن لأنها الترجمة الأولى، فقد أخذت مني وقتاً طويلاً نسبياً. لقد أردت التأكد من كل جملة ترجمتها، وكنت لهذا أستعين بقواميس كثيرة من بينها قواميس عربي-عربي! بالتأكيد ترافقت الترجمة أحياناً مع ملل بسبب العمل المتواصل لإنجاز الترجمة في الوقت المحدد، وبسبب الساعات الطويلة التي كنت أقوم فيها فقط بالدوران حول مقصد أو مفردة في النص، رغم ذلك قضيت وقتاً ممتعاً ومفيداً، وعلى نحو غير متوقع، زادتني التجربة حباً باللغة العربية، فالمقارنة الدائمة بين لغتين أثناء عملية الترجمة، زادت تعلقي باللغة العربية.

  • هل يمكن أن تحدثينا عن أبرز ما يميز الرواية؟

حياة كاملة هي رواية عن حياة أندرياس إيجر على مدى ما يقارب ثمانين سنة من القرن الماضي قضى معظمها في جبال الألب النمساوية. هي رواية عن الفقد والخسارة، وعلاقة الإنسان بالطبيعة. كل ذلك تم بناؤه بلغة منسجمة مع البيئة الجبلية، التي كانت الخلفية الدائمة لكل الأحداث، وحاضرة بقوة في الرواية. كل شخصية في الرواية كانت بأحلامها ولغتها وذكرياتها مبنية بإحكام: تتكلم بصوتها الخاص، وتتصرف بمنطق ينسجم مع حياتها وماضيها. في هذه الرواية سنرى صورة مختلفة للنمسا وللإنسان الأوروبي، فالنمسا في خيالنا هي الصورة المشرقة لأوروبا، للمدنية والرفاهية والفن، لكن في هذه الرواية سيظهر وجه آخر لهذه الحضارة، حيث الفظاظة والقسوة والخشونة والأثمان التي دُفعت لقاء هذا «التقدم».

  • الرواية تمر بفترة تاريخية طويلة نسبياً إلا أنها ذات حجم قصير نسبياً أيضا, كيف تفسرين هذه المفارقة؟

ترك زيتالر في روايته فقط ما لا غنى عنه، كل حدث أو عاطفة أو فكرة يمكن للقارئ أن يكملها بنفسه لن تجدها في الرواية. هذا الاقتصاد الذي كُتبت به «حياة كاملة» يراهن على الأفكار والمشاعر التي تولدها القراءة عند القارئ، وعلى الأحداث والتصورات التي يُترك له إكمالها. شخصياً كنت أوقف القراءة عند كثير من المقاطع، لأحتفظ بالانطباعات والمشاعر التي تخلفها لأطول فترة ممكنة، تماماً كما نفعل عند قراءة قصيدة جميلة، أنت تريد بعدها فقط أن تلوذ بالصمت، لتتحمل وتستوعب تلك الأحاسيس التي تمنحها لك. «حياة كاملة» تتحدث عن ما يعتمل داخل بطلها من معاناة دفينة، وعن انعكاس الأحداث «التاريخية» على حياته، وما يميز الرواية هو تصويرها العذب والموارب لكل هذا، فكما أندرياس إيجر شخص صامت ومتحفظ، كان كذلك تصوير حياته ومشاعره في الرواية، بأقل عدد من الكلمات، وأقل قدر من الشرح. في كثير من المقاطع تشعر أنك أمام مشهد سينمائي، تقول الصورة فيه أكثر مما يقول الكلام، وتبوح الإشارات أكثر مما يفعل الشرح. وبالمناسبة زيتالر ليس بعيداً عن السينما، فقد كتب لها ومثل فيها مراراً.

  • كيف تم اختيار الرواية ؟ وهل لحجمها علاقة باختياركم لها خصوصا أنها أول تجربة لك؟

حين علمت أن العمل المراد ترجمته، مكتوب حديثاً وخارج دائرة الأسماء الألمانية المكرّسة التي تترجم عادة إلى العربية، إضافة للاستحسان الذي نالته الرواية عالمياً تحمّست للمشروع. بالطبع كان حجم الرواية مشجعاً، وكنت سأتردد لو كانت رواية طويلة.

  • كيف ترين الترجمة من الألمانية حاليا نسبة بحجم ما ينتج في الأدب الألماني؟

إذا نظرنا للنصف الممتلئ من الكأس يمكن القول إن الوضع أفضل مقارنة بما يترجم عن لغات أخرى، كالآسيوية مثلاً. لكن ما لا أفضله هو ما يحدث من إعادة ترجمة لأعمال أدبية سبقت ترجمتها، خاصة حين تتم مرة أخرى عن لغة وسيطة. أرى في ذلك جهداً ضائعاً، وأن الأولوية يجب أن تعطى لترجمة أعمال ألمانية مهمة ما تزال مجهولة للقارئ العربي.

  • كيف ترين علاقتك بالنص بعد ترجمتك له؟ هل تشعرين أنك جزء منه؟ حدثينا عن شعور المترجم وعلاقته بالنص الذي ترجمه.

الترجمة تشبه إعادة بطيئة اضطرارية لكل حدث أو تصعيد أو مأزق تمر به الشخصيات في النص المترجم، يحصل هذا على مدى أيام طويلة، ولا أعتقد أن المؤلف سيحب شخصياته كما يفعل المترجم، فالمؤلف لن ينسى أن هذه الشخصيات من نسج خياله، أما المترجم وبسبب هذا العيش اليومي وإعادة المشاهدة مرة بعد أخرى، يؤمن بوجود هذه الشخصيات ويصدقها، خاصة في عمل مكتوب بحرفية عالية. تأتي متعة الترجمة – إذا كان للترجمة متعة بسبب تلك العدسة المكبرة التي توفرها للمترجم، والتي يستطيع من خلالها التقاط أدق الاشتغالات الفنية على النص، ورؤية مواطن الجمال في اللغة والسرد والتي قد لا تنكشف عند قراءة النص قراءة عادية.

  • حدثينا عن أعمالك القادمة في الترجمة ؟

لا يوجد حالياً عنوان محدد خاصة أن اختياراتي التي أرغب بترجمتها عن الألمانية، تفترق عن الاختيارات الحالية لدور النشر وأولوياتها.

الروائي النمساوي روبرت زيتالر