طب وصحة

انتكاسة الإدمان ..كيف يعود المدمن للمخدرات

انتكاسة الإدمانموضوع مقالنا اليوم عن آخر مراحل حرب الإنسان ضد إدمانه للمخدرات، ألا و هي مرحلة مقاومة حدوث انتكاسة الإدمان بعد التعافي، و نظراً إلى دقة الموضوع و كونه يعتمد في المقام الأول على المريض المتعافي بنفسه أكثر من اعتماده على طبيب أو دواء على عكس المراحل السابقة، فإننا سوف نحاول توضيح جوانبه قدر الإمكان عسى أن يكون هذا المقال دليلاً لإنسان يقاوم شرور الإدمان.

ما هو تعريف انتكاسة الإدمان ؟

وفقاً لتعريف المعجم العربي فإن انتكاسة المريض: معاودته المرض، أو حالة من حالات الإحباط كلما نهضنا من انتكاسة أو كبوة، داهمتنا انتكاسة جديدة.

و من ناحية الطب النفسي فإن انتكاسة مدمن المخدرات تنقسم إلى ثلاث مراحل:

أولاً: مرحلة الانتكاس العاطفي:

مرحلة الانتكاس العاطفي يبدو اسمها مثيراً لسوء الفهم بعض الشيء، حيث أن هذه المرحلة لا تتضمن تفكير الشخص في العودة للإدمان، لكنها تتسم بمعاناة المريض من أعراض نفسية متعددة تجعله منهك عاطفياً و لديه قابلية و ضعف نحو العودة للمخدرات، و إن كان لم يتخذ قرار العودة للإدمان بعد..هذه الأعراض تشمل:

  •  التوتر.
  •  العصبية الزائدة.
  • الغضب والسلوك العنيف.
  •  التحولات المزاجية السريعة.
  • اضطرابات الأكل.
  •  اضطرابات النوم.

كل هذه الأعراض تكون غالباً راجعة لأعراض ما بعد الانسحاب، و إذا أدرك المريض ذلك يمكنه التعامل معها بثقة أكبر، لكن الأعراض الأساسية في هذه المرحلة التي تمثل علامات إنذار مبكرة هي:

  •   عدم حضور جلسات العلاج النفسي.
  •    عدم الانتظام على الدواء.
  •    عدم الانتظام في زيارات المتابعة مع الطبيب.

اقرأ أيضاً: علاج إدمان الترامادول

ثانياً: مرحلة الانتكاس النفسي:

في هذه المرحلة تشتعل الحرب داخل عقل المدمن بين فكرة العودة للإدمان و بين الإصرار على الانتظام في العلاج، و يوماً وراء يوم تتصاعد نبرة العودة للإدمان خاصة مع عدم طلب المساعدة من الآخرين، و تختتم هذه المرحلة بأن العقل يصل لقناعة داخلية أنه سوف يعود للإدمان عاجلاً أو آجلا.

تتسم هذه المرحلة بالعلامات التالية:

  •    تلميع الذكريات القديمة للإدمان والتغاضي عن سلبياتها.
  •    التفكير بشأن الرفقاء والأماكن المرتبطة بالإدمان.
  •   استعادة ذكريات شعور الانتشاء المصاحب للمخدرات.
  •    استعادة التواصل مع رفاق جلسات المخدرات.

ثالثاً: مرحلة الانتكاس الفعلي:

بمجرد الوصول لآخر خطوات الانتكاس النفسي، و مع عدم الحصول على أي مساعدة؛ يصبح الأمر مسألة و قت قبل أن يجد المريض نفسه يجري اتصالاً بالرفاق القدامى لترتيب مقابلة لاستعادة ذكريات المزاج و النشوة، و هكذا يعود مرة أخرى لفخ الإدمان.

لماذا يرجع المدمن بعد علاجه للإدمان؟

حدوث الانتكاسة يعود ببساطة إلى أن الواقع الذي يواجهه المريض بعد علاجه من الإدمان يكون أكثر تعقيداً من العالم الوهمي الذي اعتاد العيش فيه لفترات طويلة خلال إدمانه، و من هنا يأتي التحدي الصعب، هل يواجه الواقع بكل مشكلاته و ضغوطه النفسية و البدنية؟ أم يتخذ الخيار السهل ويعود للعالم الوهمي الذي اعتاد عليه؟

ما هي أسباب الانتكاسة لمدمني المخدرات؟

تنقسم أسباب وعوامل حدوث الانتكاسة لمدمني المخدرات إلى:

1- عوامل مرتبطة بالجرعة و تاريخ الإدمان السابق:

كلما كان للمدمن تاريخ أكثر عمقاً في تجربة إدمان المخدرات وارتبط الأمر بشبكات أوسع من المعارف والأصدقاء والأنشطة كان ذلك علامة على زيادة احتمالات حدوث انتكاسة.

2- عوامل اجتماعية:

كلما كانت الحياة الاجتماعية للمدمن أكثر تعقيدًا وبها العديد من المشكلات، كلما زاد هذا من احتمالات حدوث انتكاسة.

3- العلاقات الإنسانية:

كلما كان للمريض علاقات إنسانية أعمق بأشخاص ما زالوا مدمنين كلما عرضه هذا لخطر حدوث انتكاسة بنسبة أكبر، وعلى النقيض فإنه كلما كان للمريض علاقات إنسانية أقوى بأشخاص داعمين لقراره بالعلاج من الإدمان، فإن ذلك يساعد في حمايته من حدوث انتكاسات.

4- الضغوط النفسية:

تعرض المريض خلال فترة التعافي لضغوط نفسية شديدة سواء ناتجة عن الالتزامات المادية والحياتية المختلفة أو ناتجة عن معاناة المريض من مشكلات نفسية إضافية كالاكتئاب على سبيل المثال، كل ذلك يزيد من احتمالات حدوث انتكاسة للمدمن.

5- خلل خطة العلاج:

وجود خلل في خطة علاج المريض سواء كان هذا من ناحية الجرعات الدوائية المناسبة أو برنامج العلاج النفسي السلوكي أو جدول زيارات المتابعة والدعم النفسي، وجود خلل في أي من هذه الجوانب يزيد من احتمالات حدوث انتكاسة للمدمن.

 كيف نحمي مدمن المخدرات من حدوث الانتكاسة؟

1- اصنع قائمة بعلامات الخطر في حياتك:

يجب على المدمن خلال مرحلة التعافي أن يضع قائمة بالخط الأحمر العريض تشمل المواقف والأماكن والأشخاص الذين يمثل الاقتراب منهم علامة خطر على احتمالية التعرض لأغراء العودة للإدمان مرة أخرى، يتم كتابة كافة هذه العلامات في ورقة ويراجعها المريض من حين لأخر للتأكد من ابتعاده عنها جميعاً بشكل صارم وبدون أي تهاون.

2- الاسترخاء عامل محوري وليس ثانوياً:

نظرًا إلى أن جميع الانتكاسات بدون استثناء تحدث لأن المرضى يفتقدون الشعور بالراحة والاسترخاء الذي تجلبه المخدرات، فإن الحرص على حصول المريض خلال فترة التعافي على أوقات استرخاء منتظمة يوميًا يمثل عاملاً أساسيًا في الوقاية من حدوث انتكاسات.

3- إياك و الكذب على نفسك:

للأسف فإن المدمن خلال فترة تناوله للمخدرات يتعلم يومًا وراء يوم الكذب حتى يتقنه، لكن في مراحل علاج الإدمان ينقلب السحر على الساحر، حيث يبدأ عقل المريض في استعمال تقنيات الكذب ليكذب على نفسه بشأن العلامات الدالة على حدوث انتكاسة؛ لذا ينبغي على المدمن الحذر من تقليل قدر عوامل الخطورة؛ حيث إن ذلك يكون خدعة نفسية يخدعها المدمن لنفسه لتسهيل عودته مرة أخرى لفخ الإدمان، لا تقلل من خطر زيارتك لمكان اعتدت أن تتناول المخدرات فيه، فالأمر أخطر مما يصور لك عقلك.

4- انتهز فرصة تغيير حياتك:

يعتبر برنامج العلاج من الإدمان فرصة كبيرة للمريض ليقوم بتغيير شبه شامل في حياته؛ حيث يحظي بدعم نفسي ودعم عائلي كبير، كما أن فكرة كونه يبدأ مرحلة جديدة من حياته لا سيما أفضل من سابقتها تعطي الإنسان قدرة أكبر على بناء تصور إيجابي لهذه الحياة الجديدة؛ لذا لا ينبغي على المريض تفويت هذه الفرصة لعمل تغيير جذري في حياته للأفضل.

5- تبني نمط حياة صحي:

أن أبسط الأشياء في نمط الحياة مثل التغذية الصحية المتكاملة وبرنامج التمارين الرياضية اليومية تساعد المريض على اجتياز خطر الإدمان والانتكاسة بشكل كبير؛ لذا لا ينبغي على المريض التقليل من أهمية هذه العوامل ومناقشتها مع طبيبه بشكل دوري لبناء نمط حياة صحي.

6- تكوين شبكة علاقات إنسانية داعمة:

وجود مجموعة من المقربين للمريض تدعمه خلال تعافيه يمثل نقطة قوة كبيرة في الوقاية من حدوث الانتكاسات، وتتمثل هذه المجموعة غالبًا في بعض أفراد الأسرة وبعض المقربين من الأصدقاء الغير مدمنين.

7- الاهتمام بالجوانب الروحانية:

تمثل الممارسات الروحانية الايجابية مثل الصلاة والدعاء عوامل إيجابية في الحماية من حدوث انتكاسة؛ وذلك لما يرتبط بها من شعور المريض بالرضا عن النفس المستمد من رضا الخالق عنه، مما يجعله أكثر قدرة على مقاومة الانتكاسة.

8- عدم المبالغة في التفاؤل:

التفاؤل والثقة في النفس من العوامل الأساسية في اجتياز برنامج علاج الإدمان، لكن إذا وصل هذا التفاؤل لمرحلة مبالغ فيها ينقلب لعامل سلبي؛ وذلك لأنه في هذه الحالة يعني أن المريض يتناسى أن هناك العديد من التحديات التي سوف تقابله في المستقبل مما يقلل من جاهزيته لهذه التحديات، وبالتالي يصبح أكثر عرضة لخطر الانتكاسة مع أول أزمة تقابله.

نصائح ذهبية تجنب المتعافين حدوث انتكاسة الإدمان

يمكن تلخيص النصائح الذهبية لحماية المتعافين من حدوث انتكاسة في التالي:

  1.  تقبل حقيقة أنك كنت مدمن و ما يطرحه ذلك من تحديات.
  2.  كن صادقاً مع نفسك.
  3.  لا تخجل من طلب المساعدة عندما تحتاجها.
  4.  انضم لجلسات مساعدة ذاتية لمدمنين سابقين.
  5.   ابحث عن عمل يناسب وضعك ويشغلك بشكل ايجابي دون ضغط نفسي زائد.
  6.  ابتعد نهائيًا عن الأصدقاء المدمنين.
  7.  أعط نفسك الوقت الكافي لتخطي مسألة الإدمان.
  8.  كافئ نفسك على كل تقدم تحققه.
  9.  تعلم قول لا لمن يعرضونك لخطر الانتكاسة.
  10.  احرص على نمط التغذية الصحية.
  11.  مارس الرياضة بانتظام.
  12.  استرخ وتخلص من التوتر.
  13.  اكتشف طرق جديدة للاستمتاع بعيداً عن أجواء المخدرات تماماً.
  14.  شكل صداقات مع أشخاص نجحوا في الإقلاع عن الإدمان قبلك.
  15.  احرص على خطتك العلاجية وزيارات المتابعة مع طبيبك.
  16.  انظر لنفسك كانسان جديد ليس له علاقة بالمدمن الذي كان في السابق.

إعادة التأهيل من المخدرات

تختلف برامج إعادة التأهيل وفقاً للظروف الفردية لكل مدمن واحتياجاته في مرحلة التعافي، ولكنها غالباً ما تشمل العوامل التالية:

1 – التأهيل النفسي: لجعل الفرد قادراً على تخطي مراحل ما بعد التوقف عن المخدرات بشكل آمن.

2 – التأهيل الصحي: من خلال التعامل مع أي مشكلات صحية أو أمراض حدثت للمريض خلال فترة الإدمان ووضع خطة لعلاجها بشكل ملائم.

3 – التأهيل الاجتماعي: من خلال مساعدة المتعافي على بناء شبكة علاقات اجتماعية من الأشخاص الغير مدمنين تساعده في مرحلة التعافي.

4 – التأهيل الدراسي والمهني: وفقاً للمرحلة السنية للمريض يتم وضع خطة لما بعد الشفاء تضمن جعل المريض مؤهلاً من الناحية الدراسية والمهنية بما يساعد على إعادة اندماجه كفرد منتج في المجتمع.

خطر الاكتئاب و علاقته بالانتكاسة

ترتبط العديد من حالات انتكاسة الإدمان إلى مرور المريض بنوبات من الاكتئاب الشديد نتيجة عدم قدرته على التعامل مع الواقع بشكل ملائم، وخجله من طلب المساعدة في نفس الوقت لأي سبب كان؛ لذا ينبغي على المريض عند شعور بوجود خلل في قدرته على الحياة بشكل طبيعي خلال مراحل التعافي أن يقوم بمراجعة طبيبه من أجل تقييم الوضع بشكل شامل واتخاذ تدخلات علاجية ملائمة تساعد على الإنقاذ المبكر للمريض قبل عودته لبراثن الإدمان.

اقرأ أيضاً: أنواع الادمان وكيف يُعالَج الشخص المدمن

حالات انتكاسة الإدمان بسبب الأصدقاء

تشير الدراسات إلى وجود ارتباط إحصائي بين الحالات التي يحدث فيها انتكاسة للإدمان و بين ارتباط هؤلاء الأشخاص بأصدقاء ما زالوا مستمرين في تعاطي المخدرات، لذا فإنه كلما كان للمريض علاقات إنسانية أعمق بأشخاص ما زالوا مدمنين كلما عرضه هذا لخطر حدوث انتكاسة بنسبة أكبر. وعلى النقيض فإنه كلما كان للمريض علاقات إنسانية أقوى بأشخاص داعمين لقراره بالعلاج من الإدمان، فإن ذلك يساعد في حمايته من حدوث انتكاسات.

كيف تساعد الأسرة أبناءها بعد علاج الإدمان لوقف الانتكاس؟

  1.  ينبغي أن تتعامل الأسرة مع الفرد المدمن تماماً كما كانوا سيتعاملون معه لو كان مصاباً بأي مرض مزمن آخر يهدد حياته، وفي هذا الصدد ينبغي التغاضي عن أي أحكام أخلاقية أو نقاشات سلبية.
  2.  ينبغي على الأسرة أن تقرأ وتتعلم عن الإدمان ومراحل علاجه حتى تستطيع أن تفهم ما يمر به المدمن.
  3. مرحلة التعافي من الإدمان ليست مخصصة لمحاسبة المدمن على ما فعله خلال فترة إدمانه؛ حيث إنها فرصة ذهبية لإصلاح كل ما سبق فقط من خلال الدعم النفسي المتبادل بين الطرفين والقدر على العفو والمسامحة.
  4.  توفير بيئة هادئة وملائمة نفسياً لمساعدة المريض في مراحل التعافي.
  5.  يجب إعطاء المريض الوقت الكافي للذهاب لجلسات العلاج والمتابعة.
  6.  لا يجب على أفراد الأسرة أن يطمحوا لاستعادة الأيام السالفة قبل وقوع المريض في فخ الإدمان، فهذه الأيام بشكل أو بآخر هي ما أوصل المريض إلى مرحلة الإدمان بما كان فيها من سلبيات.
  7.  اغتنموا فرصة التغيير للأفضل، حيث تعتبر مرحلة التعافي من الإدمان للأسرة كما هي للمدمن فرصة لبدء حياة جديدة بسلبيات أقل من الماضي.
  8.  ينبغي الحرص على قضاء أوقات مبهجة وممتعة ضمن الأسرة؛ فالمريض في هذه المرحلة يحاول العثور على طرق بديلة وآمنة للشعور بالفرحة.
  9.  رغم أهمية عدم لوم المريض خلال مرحلة التعافي على ما سبق، إلا أنه أيضاً لا يجب بأي حال من الأحوال الوصول بصيغة الخطاب لمبررات أو أعذار لمسألة الإدمان.
  10.  إذا كان المريض يحتاج لمساعدة مالية، فيجب على الأسرة أن تمنحه له في صورة السلع التي يحتاجها بشكل مباشر وليس إعطاؤه نقود سائلة.

أخيراً انتبه أيها المجتمع: النظرة السلبية تقود متعافي الإدمان إلى الانتكاسة

آخر ما نود أن نقوله هو تلك الصرخة الموجهة للمجتمع بشكل عام والذي كثيرًا ما يقسو في نظرته على العديد من أصحاب المشكلات الصحية والبدنية المختلفة، ومن ضمن هذه المشكلات الإدمان.

النظرة السلبية لك تجاه شخص يحارب من أجل الابتعاد عن شبح المخدرات هي في حقيقة الأمر طعنة توجهها لظهره، وتعتبر نظرة المجتمع السلبية للمتعافين من الإدمان من الأسباب القوية وراء حدوث انتكاسات نتيجة فقدان هؤلاء المرضى للأمل في استعادة احترام المجتمع لهم مما ينعكس على انخفاض تقديرهم لأنفسهم وانخفاض قدرتهم على التعايش مع الواقع، وهنا يصبح حدوث انتكاسة والعودة للإدمان مسألة وقت.

وقانا الله و إياكم شرور المخدرات . . .

اقرأ أيضًا: